في خضم الحروب، لا يقتصر الدمار على الحجر والأسمنت، بل يمتد ليطال الذاكرة، والتاريخ الشخصي، والمعنى الحقيقي للبيت. هذا ما يجسده ابن النبطية، باسم نحلة، في مقاله المؤثر، حيث يسلط الضوء على "الكلمات القاتلة" – تلك العبارات التي تُستخدم بحسن نية أو بسوء قصد لتفريغ الخسارة من مضمونها، أو لتبرير استباحة الحياة.
الكلمة الأولى:"بكرا بتعمر بيت أحلى."
وكأنني كنتُ أبحث عن بيتٍ أجمل، لا عن البيت الذي كان يعرف اسمي. وكأن الجدران إسمنتٌ وحجارة، وليست ضحكاتٍ علقت على الزوايا، وصورًا هرمت معنا، ومقتنياتٍ لا يساويها مال، ورائحة قهوةٍ بقيت في الجدران، وذكرياتٍ لا تُبنى من جديد.
من قال إنني أريد بيتًا أحلى؟ أنا أريد بيتي. أريد الباب الذي حفظ طرقي، والنافذة التي كانت تعرف وجهي، والعمر الذي دُفن تحت الركام.
الكلمة الثانية:"الله بعوّض."
لا اعتراض على وعد الله. لكن لا تجعلوا الوعد الإلهي ستارًا يختبئ خلفه البشر.
الله يعوّض... لكن من يحاسب؟ من يعيد العمر الذي سُرق؟ من يعيد الطمأنينة التي قُتلت؟ ومن يجيب عن سؤالٍ بسيط: هل الله هو من أمر بهذه الحرب؟ أم أن للخراب صُنّاعًا، وللمأساة قرارات، وللدم مسؤولين لا يجوز أن يغسلوا أيديهم بكلمة: "الله بعوّض."
الكلمة الثالثة:"فدا الشباب."
إن كان بيتي في خط النار، واختاره المقاومون موقعًا للدفاع عن أهلهم، وأجبرتهم المعركة على الاحتماء به، فسأقولها بملء قلبي: فدا الشباب.
أما أن يُستباح بيت الناس، ويُتخذ مقرًا لمن لا يقاتل، ولا يُطارَد، ولا تفرض عليه ضرورة البقاء، ثم يُطلب من صاحبه أن يصفق ويقول: "فدا الشباب"...
فاعذروني.
التضحية شرف، أما استباحة بيوت الناس فليست بطولة. والمقاومة التي تدافع عن الناس لا تبدأ بكسر الناس.
الخاتمة
أقسى ما في الحروب ليس الركام... بل اللغة التي تتعلّم كيف تبرّره.
حين يصبح الألم تهمة، والاعتراض خيانة، والمطالبة بالحق قلة وفاء، تكون الكلمات قد قتلت ما لم تستطع الحرب أن تقتله.
فاحذروا الكلمات... فبعضها لا يواسي، بل يدفن الضحية مرةً ثانية.
باسم نحلة
٢٠٢٦/٧/٣٠