في مشهدٍ هزَّ الضمير قبل أن يملأ شاشات الأخبار، شاهد العالم آلاف الشباب المغاربة يتدفقون نحو مدينة سبتة. لم يكن أكثر ما أثار الحزن هو العبور ذاته، بل تلك اللحظات التي ارتفعت فيها صيحات الفرح بعد الوصول.
توقفت طويلًا أمام هذا المشهد، وراودني سؤال موجع: كيف أصبح الوصول إلى جزءٍ من الوطن، يراه المغرب أرضًا محتلة، سببًا للاحتفال، بينما كان هؤلاء الشباب قبل دقائق يقفون على أرض وطنهم الحرة؟
إنها مفارقة تختصر حجم الأزمة. فحين يفقد الإنسان ثقته بأن مستقبله يمكن أن يُبنى في وطنه، يصبح أي مكان يعده بفرصة حياة أفضل أشبه بطوق نجاة، حتى وإن كان يحمل تعقيدات تاريخية وسياسية وقانونية. في تلك اللحظة، لا يفكر الشاب في خرائط السيادة ولا في النزاعات الدولية، بل يفكر في وظيفة، وكرامة، ومستقبل يراه بعيد المنال.
لكن هذا لا يمنعنا من طرح السؤال الأصعب: ماذا يعني أن يصبح الحلم مرتبطًا بمغادرة الوطن بدلًا من بنائه؟ وماذا يعني أن تتحول الحدود إلى أمل، بينما ينبغي أن يكون الأمل داخل المدن والقرى والجامعات ومواقع العمل؟
إن القضية ليست في إدانة هؤلاء الشباب، فهم أبناء ظروف اقتصادية واجتماعية دفعتهم إلى المجازفة بحياتهم. ولا في التقليل من تعقيدات ملف سبتة، فهو ملف سياسي وتاريخي معروف. القضية الحقيقية هي أن الأوطان تخسر جزءًا من روحها عندما يشعر شبابها أن مستقبلهم يبدأ خارجها.
الوطن لا يُقاس فقط بحدوده، بل بقدرته على احتضان أبنائه، وصناعة الأمل لهم، وإقناعهم بأن الغد يمكن أن يكون أجمل وهم على أرضه. أما حين يصبح الرحيل هو الحلم، فهذه ليست أزمة هجرة فحسب، بل أزمة ثقة، وأزمة تنمية، وأزمة أمل.
ويبقى المشهد مؤلمًا، لأن الفرحة لم تكن بالانتصار، بل بالفرار. ولم تكن بالعودة إلى الوطن، بل بالابتعاد عنه. وهذه رسالة ينبغي أن تقرأها الحكومات والمجتمعات قبل أن يقرأها المؤرخون.
بقلم: د. مؤيد بدران