18 صفر 1448

الموافق

الإثنين 03-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة لبنان... بين فرصة القرار وإغراء الانتظار
لبنان... بين فرصة القرار وإغراء الانتظار
فؤاد بوجي
2026-08-03
لبنان... بين فرصة القرار وإغراء الانتظار

 

منذ انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة، عاد شيء من التفاؤل إلى المشهد اللبناني. كما ساهمت التحوّلات الإقليمية، والانفتاح العربي المتجدّد على لبنان، في إعادة طرح أسئلة كانت غائبة لسنوات: هل يمتلك لبنان فرصة حقيقية لاستعادة دوره؟ وهل يمكن أن تتحوّل التغيّرات من حوله إلى مدخل لإنقاذ اقتصاده وإعادة بناء مؤسساته؟

لكن، وسط هذا المناخ، يبرز سؤال أكثر أهمية من كل الأسئلة الأخرى: هل تغيّر لبنان فعلاً، أم أننا ما زلنا ننتظر أن يقرر الآخرون مستقبلنا؟

ليست هذه المرة الأولى التي يراهن فيها اللبنانيون على الخارج. فمنذ عقود، ارتبطت كل محطة مفصلية بتسوية إقليمية أو تفاهم دولي أو تبدّل في موازين القوى. وكأن الدولة اللبنانية اعتادت أن تعيش على إيقاع ما يجري خارج حدودها أكثر مما تعيش على إيقاع قراراتها الوطنية.

لا شك أن لبنان يتأثر ببيئته الإقليمية، وهذا أمر طبيعي بحكم موقعه وتركيبته وتعقيدات المنطقة. لكن التأثّر شيء، وتحويل الانتظار إلى نهج دائم في إدارة الدولة شيء آخر.

لقد اعتدنا أن ننتظر انتهاء الحروب، ثم ننتظر نتائج المفاوضات، ثم ننتظر الاتفاقات، ثم ننتظر المساعدات، حتى أصبح الانتظار في حد ذاته  سياسة غير معلنة، بينما كانت الأزمات تتراكم، والاقتصاد ينهار، ومؤسسات الدولة تفقد قدرتها على أداء دورها.كتب تاريخية

وفي المقابل، كانت دول أخرى، تواجه تحدّيات لا تقلّ صعوبة، تعيد ترتيب أولوياتها، وتستثمر في الاقتصاد، والبنية التحتية، والتعليم، والتكنولوجيا، وتبني بيئات جاذبة للاستثمار. لم تنتظر أن تصبح الظروف مثالية، بل صنعت ظروفاً أفضل بقرارات واضحة وإصلاحات متدرجة.

أما لبنان، فما زال يخوض معارك الأمس فيما يتحرك العالم نحو أولويات الغد.متابعة الانتخابات

إن التحوّلات التي تشهدها المنطقة اليوم ليست دعوة للبنان كي ينتظر نتائجها، بل فرصة كي يعيد النظر في طريقته في إدارة شؤونه. فلا قيمة لأي انفتاح عربي أو اهتمام دولي إذا لم يقابله مشروع لبناني جادّ يعيد الاعتبار للدولة، ويؤسس لاقتصاد منتج، ويستعيد ثقة المواطن والمستثمر في آن واحد.

فلا استثمار من دون قضاء مستقل، ولا نمو من دون إدارة كفوءة، ولا فرص عمل من دون بيئة قانونية مستقرة، ولا استقرار دائم إذا بقيت مؤسسات الدولة عاجزة عن ممارسة دورها الكامل.

إن بناء الدولة ليس شعاراً سياسياً، بل عملية مستمرة تبدأ عندما تصبح المصلحة الوطنية هي المرجعية العليا، وعندما تتحوّل المؤسسات إلى الضامن الحقيقي لحقوق المواطنين، بعيداً عن الحسابات الضيقة والرهانات المؤقتة.

لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الخارج قد يفتح نافذة، لكنه لا يعبرها نيابة عن أحد. والفرص قد تُمنح، لكنها لا تتحوّل إلى إنجازات إلّا عندما تجد دولة تعرف ماذا تريد، وتمتلك الإرادة لتحقيقه.

اليوم، لا يحتاج لبنان إلى مزيد من الانتظار، بل إلى وضوح في الرؤية، وجرأة في القرار، وإيمان بأن مستقبله لا يُكتب في العواصم الأخرى، بل يبدأ من بيروت.

فالفرق بين الدول التي تنهض والدول التي تبقى أسيرة أزماتها، ليس حجم التحدّيات التي تواجهها، بل قدرتها على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة.

وربما تكون اللحظة المناسبة قد حانت بالفعل. والسؤال الذي سيحكم السنوات المقبلة ليس ماذا سيقرر الآخرون بشأن لبنان، بل ماذا سيقرر لبنان بشأن نفسه؟

أخبار مماثلة