منذ اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975 وأنا أسمع سؤالاً: "إلى متى ستستمر هذه الحرب؟"، "لم نعد قادرين على التحمّل". وجوابي في كل مرحلة: منذ بداية الحرب أسمع السؤال ذاته الذي يتكرّر اليوم، واللبناني لديه القدرة على التكيّف مع كل شيئ. لم تكن السنوات السابقة سهلة وعشنا فيها حرب الحروب في الداخل، واحتلالات وهيمنات وتدخلات من كل حدب وصوب ولعبة أمم ومصالح ليس فيها مصلحة فعلية للبنان واللبنانيين، لكننا في الوقت ذاته عشنا تناقضاتنا. أحلامنا. غرائزنا. عواطفنا. تمنياتنا. أحقادنا. كراهيتنا. مصالحنا الصغيرة التي قدمناها على مصلحة الوطن وبقائه موحداً، ودولته وتطويرها، وإنسانه وحقه في العيش الكريم وفقدنا في مراحل كثيرة إنسانيتنا. لم أعمّم يوماً بل كنت أنحاز دائماً إلى من يفكر بحكمة وعقل وتروٍّ وهدوء وانفتاح ومن يتعلم من التجارب ويستخلص الدروس والعبر وأعتبر أن هؤلاء هم أكثر من يعاني في بيئاتهم ومسيرتهم، وقد تكيّفوا مع الوقائع والحقائق لكنهم لم يخرجوا عن مبادئهم وقناعاتهم الأساسية ولم يكونوا يوماً أسرى مصالح وممارسي التزلّف والتملّق والاستزلام والتبعية العمياء وأسرى الضوء والدور وشهوة السلطة وكل الأمراض التي تشوّه الدور وتسيئ إلى " الأهداف النبيلة "المعلنة، "واللعبة" "والحرفة" السياسية والخبرة والمعرفة الجدية والتحليل السليم والقرار الحكيم الذي يبنى عليه.
هذا واقع البلد. ضجيج في الحديث عن "السيادة" ومواقف "السياديين"، "والدولة التي تقرر وحدها"، وثمة من يطلب من الدولة ورموزها وصولاً إلى أصوات وأدوات الضجيج اتخاذ هذا الموقف أو ذاك وعندما تسأل لماذا فعلتم هذا الأمر يأتي الجواب بكل بساطة "ضغطوا علينا" "لم يتركونا لحظة". شخصياً لا استغرب. اعرف اللعبة واللاعبين وشروط اللعبة ولست مثالياً. ولكني أعرف أيضاً أن الخبرة والحرفة والمصلحة تقضي بأن نناقش على الأقل، أن نخرج الأمور بطريقة تحفظ خط رجعة، أن ندير اللعبة بطريقة فيها الحد الأدنى من احترام الذات والكرامة وقول الحقيقة والرأي الذي نقتنع به والتأكيد أن أي خسارة سيتحمّلها لبنان ولو اعتقد "الآخرون" من بعيد أنها تبعد الكأس عنهم وأنهم يقومون بما تمليه عليهم مصالحهم، ستكون عبئاً عليهم وسيأتي دورهم، فكيف عندما يكون العدو اسرائيل، ويؤمن بعضهم في الداخل والمحيط أنها ليست العدو وهي تعمل على خلق عداء في وجه بعضنا البعض، وتفتعل الحروب والأزمات وتهدد الجميع؟ حتى السفير الأميركي في اسرائيل مايك هاكابي قال منذ أيام: "من حق اسرائيل دينياً امتلاك لبنان وسوريا والأردن وجزء من مصر والسعودية والعراق". وقال مراسل الشؤون العسكرية والأمنية في القناة 4 الاسرائيلية وهو من الوحدة الإعلامية البارزة: وزير الدفاع كاتس قال لي: "نتعرض لضغوط أميركية تمنع اسرائيل من التحرك". ثم اضاف: "آمل أنه عندما ينفجر الوضع في إيران، لن يرغب أحد في الإنشغال بلبنان وعندها سنندفع إلى الأمام براً وجواً"! وهذا تعبير واضح عن التحريض الاسرائيلي لإشعال الحرب الحاسمة ضد إيران والهدف الرئيسي لبنان.
وفي لبنان يتجاوز بعضهم "براعة التكيّف" مع الاحتلال والمصاعب والمتاعب ليصل إلى حدّ الإشهار برغبته تثبيت الاحتلال. بقاءه. المهم "خلصونا من الآخرين". هؤلاء يصابون بخيبة وصدمة إذا شعروا بـ"فرملة" لآلة الحرب والقتل. ثم يبرّرون للاحتلال بقاءه. ولا شيئ يبرّر ذلك خصوصاً وأن ثمة كثيرين غيرهم يحمّلون حزب الله المسؤولية ويرفضون أعماله وسياسته من جذورها، لكنهم لا يزالون يعتبرون اسرائيل العدو ويرفضون حربها المفتوحة وجرائمها، فكيف إذا كان جيشها يعتدي على جيشنا بعد اتفاق الإطار ويفتعل "هزات أرضية" حقيقية تسمع ارتداداتها في مناطق لبنانية كثيرة بعيدة عن الجنوب، وتستمر آلة القتل في استهداف الأبرياء ويجرفون الأراضي وما عليها ويغطونها بالمواد السامة كي لا يكون أثر لحياة لاحقاً؟ تخرج "اليونيفيل" وتعلن وجود براميل مليئة بـ"نيترات الأمونيوم" عليها كتابات عبرية فيخرج لبنانيون ويتهمون فريقاً لبنانياً بها، ثم تخرج اسرائيل وتعترف أنها عائدة لجيشها ليستخدمها في افتعال "الهزات" وتدمير كل شيئ!
هذا ليس تكيفاً مع الاحتلال فقط، هذا تعبير عن حقد وكراهية في وقت نرى فيه ابناء الجنوب يعودون إلى ديارهم أو محيطها ويفاجأ كثيرون بأنه لم يعد ثمة نازحون في الداخل اللبناني. أين هم؟ وعودتهم إلى ديارهم ممنوعة، وحيث هي مسموحة البيوت مدمّرة والأرض كما قلنا. إنهم ابناء الجنوب الأبطال، الأبرار، المتمسّكون بحقهم وأرضهم والمتطلعون إلى الدولة والمتفاعلون مع جيشها الذي يتعرض وقيادته لانتقادات في الداخل لأنه يرفض المواجهة معهم وتنفيذ إملاءات اسرائيلية وضغوطات خارجية!
مرّ عيد الجيش ولا يزال متروكاً. الذين وعدوا بمساعدته تركوه إلا قلة منهم قدمت مشكورة مساعدات لكنها غير كافية للقيام بدوره كما يجب ووفق خطة قيادته التي أكدت مراراً أن الاحتلال الاسرائيلي والتأخر في تقديم المساعدات أمران يعيقان قدرة الجيش على إنجاز مهمته. كان منتظراً منذ وقت طويل انعقاد مؤتمر باريس لدعمه. لم يعقد لأسباب سياسية. اليوم استبعدت باريس عن اتفاق الإطار ولا تشاور معها حول ما بعد انسحاب اليونيفيل في محاولة لاستبعادها أيضاً عن اي دور وهذا سيترك أثره بالتأكيد على المؤتمر المنتظر.
لن تتوقف اسرائيل عند حدود. ستبقى تمارس عدوانها. ونتانياهو يعرف ان الأشهر المقبلة هي لتمرير الانتخابات الأميركية والاسرائيلية. سوف تبقى حركة قواته مفتوحة في كل الاتجاهات من غزة إلى الضفة ولبنان وسوريا وربما أبعد إذا اندلعت مجدداً الحرب ضد إيران وسيبقى لبنان يتعرض لما يتعرض له الآن، خصوصاً في الجنوب، وستبقى المناورات والشروط الاسرائيلية لابتزاز الجيش ومنعه من الدخول إلى مناطق جديدة عنوان المرحلة. ليس ثمة ما يؤشر إلى إيجابيات وعناصر ضغط على اسرائيل للجمها ووقف عدوانها، وسيبقى رهاننا على الجيش العمود الفقري لمؤسسات الدولة الضامنة لأمن واستقرار لبنان ويجب أن يتركز العمل على توفير كل مقومات الدعم له.
التحية للجيش وشهدائه وجرحاه وأفراده جميعاً ولقيادته الحكيمة في يوم عيدهم!