في الرابع من آب، لم يسقط المرفأ وحده، بل سقطت هيبة الدولة، وسقط معها ما تبقى من ثقة اللبنانيين بمن حكمهم وأدار شؤونهم. كانت بيروت هي الضحية، وكان شعبها هو من دفع الثمن بدمه وبيوته وأحلامه.
ست سنوات مرّت، ولا تزال الحقيقة الكاملة رهينة التعطيل والتجاذبات والضغوط. وكأن المطلوب أن ييأس أهالي الشهداء، وأن يعتاد اللبنانيون على أكبر جريمة شهدها وطنهم في زمن السلم. لكن الحقيقة لا تموت، ولو طال الزمن.
ليس مقبولًا أن تبقى الأسئلة معلقة: من أدخل هذه المواد؟ من قرر إبقاءها سنوات في قلب العاصمة؟ من كان يعلم وسكت؟ ومن عرقل المحاسبة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست مطلبًا سياسيًا، بل حقٌ للشهداء وواجبٌ تجاه كل لبناني.
إن ما جرى في الرابع من آب لم يكن مجرد حادث عابر، بل كان نتيجة سنوات من الإهمال وسوء الإدارة وغياب المساءلة. وهذه مسؤولية لا يجوز أن تضيع بين المكاتب واللجان والاصطفافات السياسية.
العدالة ليست انتقامًا، لكنها أيضًا ليست مساومة. ولا يمكن أن تقوم دولة يحكمها القانون إذا بقي أصحاب النفوذ فوق المحاسبة، وإذا بقيت الحقيقة أسيرة الحسابات السياسية. إن أي سلطة تعرقل كشف الحقيقة، وأي مسؤول يمتنع عن التعاون مع العدالة، يتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية أمام الشعب والتاريخ.
الرحمة لشهداء الرابع من آب، والوفاء لجرحاهم وأهلهم الذين أثبتوا أن الحق لا يسقط بالتقادم. وسيبقى هذا اليوم شاهدًا على أن وطنًا بلا حقيقة، ووطنًا بلا محاسبة، يبقى معرضًا لتكرار المأساة نفسها. فإما عدالة كاملة، وإما جرح لن يندمل، وستبقى أرواح الشهداء تطالب بالحقيقة مهما حاول البعض دفنها أو تأجيلها.