21 صفر 1448

الموافق

الخميس 06-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة معركة 4 آب 1982: بيروت المرابطة حين صرخ رجالها "لن تدخلوا".. فاندحر الغزاة يجرّون هزيمتهم
معركة 4 آب 1982: بيروت المرابطة حين صرخ رجالها "لن تدخلوا".. فاندحر الغزاة يجرّون هزيمتهم
زياد سامي عيتاني
2026-08-06
معركة 4 آب 1982: بيروت المرابطة حين صرخ رجالها "لن تدخلوا".. فاندحر الغزاة يجرّون هزيمتهم

 

لستُ أكتب اليوم تاريخاً، فالتاريخ يُكتب مرة ويُقرأ ألف مرة. أنا أكتب وفاءً. وفاءً لصوتٍ ما زال يتردد في محور المتحف - البربير كلما هبّ نسيم آب، صوتٌ خرج من صدورٍ عارية، لا تحميها دروع ولا تسندها دبابات، فقال للغازي كلمةً واحدة، بسيطة وقاسية كالصخر: «لن تدخلوا بيروت».

كم من مرة قيلت هذه الكلمات عبر التاريخ فذهبت أدراج الريح؟ وكم من عاصمة نطق أبناؤها بها ثم انهارت أسوارها في الصباح التالي؟ لكن بيروت، في ذلك الرابع من آب عام 1982، لم تكن عاصمةً كسائر العواصم. كانت امرأةً محاصرة ترفض أن تُسبى، وكان أبناؤها، رجال «المرابطون»، حراس شرفها الأخيرين على بوابةٍ اسمها المتحف - البربير.

• بوابةٌ لم تكن كسائر البوابات

من منّا يمرّ اليوم بمحاذاة المتحف - البرير، يدرك أنه يمشي فوق خط الزلزال ذاته الذي أراد أن يبتلع نصف العاصمة في ضربة واحدة؟ تلك البقعة الصغيرة من الأرض لم تكن يوماً مجرد تقاطع طرقات، بل كانت في ذلك الصيف الملتهب الفاصل الوحيد بين مدينةٍ حرة وأخرى مستباحة. لو سقطت تلك البوابة، لما وجد الغازي أمامه خطاً دفاعياً آخر يعترض زحفه؛ لكانت بيروت الغربية بأكملها، بحاراتها وأحيائها وناسها، قد باتت تحت جنازير المركافا قبل أن ترتفع الشمس فوق سطوحها.

هذا هو الثقل الحقيقي لتلك اللحظة: أن رجالاً قلائل، بلا طائرات تحرسهم ولا مدرعات تسندهم، كانوا يعرفون أنهم لا يدافعون عن متر أرضٍ عابر، بل عن مدينةٍ بأكملها تحتمي خلف ظهورهم، غافلة عن أن مصيرها يتقرر في تلك اللحظة على أسوار حيّهم.

• حين تحوّل الزقاق إلى قدر

جاء الغزاة في ذلك الفجر واثقين، محمّلين بغرور آلة حربٍ لم تعرف الهزيمة منذ عقود. أمطروا السماء والأرض ناراً، ثم دفعوا بجحافل «المركافا» نحو ذلك المحور، ظانّين أن الحديد وحده كافٍ ليكتب النهاية. لكنهم جهلوا سرّاً بسيطاً: أن من يقف في وجههم لا يقاتل من أجل خريطة، بل من أجل مدينته وتاريخها وتراثها ومستقبلها، وأن الرجل الذي يدافع عن أرضه بابه لا يُقاس بعدد دباباته، بل بعمق جذوره في تلك الأرض.

تركهم المرابطون يتوغلون، وكأنهم يفسحون لهم الطريق نحو فخٍّ لا مفرّ منه، ثم انقضّوا عليهم من مسافةٍ لا تسمح للدروع أن تتباهى ولا للطائرات أن تتدخّل: مسافة الصدر إلى الصدر، والعين إلى العين. هناك، في ذلك المحور، انكسرت أسطورة كاملة. أربع دبابات على الأقل تحوّلت إلى حديدٍ محترق، وجنودٌ عجز رفاقهم عن انتشال جثثهم لساعاتٍ طويلة تحت نيرانٍ لم تكن تعرف الرحمة ولا التراجع.

• يومٌ لم يُشترَ فيه النصر، بل انتُزع انتزاعاً

لست هنا لأزعم أن الميزان كان متكافئاً، فقد كان العكس تماماً: جيشٌ نظامي بكل عتاده الجوي والبحري والبري، في مواجهة رجالٍ سلاحهم الحقيقي معرفتهم بكل حجرٍ في مدينتهم وإيمانهم بأن الأرض التي وُلدوا عليها لا تُسلَّم بلا ثمن. ومع ذلك، ورغم كل ذلك الاختلال الفادح في موازين القوى، عاد الغازي في مساء ذلك اليوم أدراجه، يجرّ خلفه دخان هزيمته، لم يتقدم شبراً واحداً نحو القلب الذي طمع فيه.

وفي اليوم التالي، حين عجز عن أن يهزم رجالاً على الأرض، حاول أن يهزم مدينةً بأكملها من الجو، فأمطر الأحياء السكنية بعشرات الآلاف من القذائف في يومٍ واحد. لكن ذلك الغضب الأعمى لم يكن سوى اعترافٍ صريح، وإن جاء بلغة النار: أن البوابة التي أراد أن يفتحها بالحديد، أوصدها في وجهه رجالٌ لم يُسلّموا مفاتيحهم يوماً.

• لماذا يستحق هذا اليوم أن يُروى بصوتٍ عالٍ؟

لأن الأمم لا تُبنى إلّا على مثل هذه اللحظات. لأن بيروت، حين أرادت أن تُثبت للعالم أنها ليست مجرد اسمٍ على خريطة، اختارت أن تكتب برهانها بدمٍ صادقٍ لا بخطابٍ رنّان. لأن معركة المتحف - البربير لم تكن مجرد صدّ هجوم، بل كانت إحباطاً لخطة كاملة أرادت أن تطوي الشطر الغربي من العاصمة في ضربة واحدة، فاضطر الغازي، بعد أن تكسّرت أوهامه على تلك البوابة، إلى القبول بتفاوضٍ سياسي لم تُملَ شروطه إلّا لأن العاصمة أثبتت أنها لا تُقتحم عنوة.

كل من كتب عن تلك الأيام لاحقاً، من شعراء ورواة وقادة ميدانيين عاشوا تلك الساعات بأجسادهم، أجمعوا على معنى واحد: أن ما جرى عند بوابة المتحف لم يكن حدثاً عابراً في سجل الحروب، بل كان لحظة انكسار حقيقي لمقولة «الجيش الذي لا يُقهر»، ولحظة ميلاد لمعنى آخر أعمق: أن الكرامة، حين تتجذّر في صدور رجالٍ بسطاء، تصبح أثقل من كل ترسانات العالم.

• بيروت التي لا تُشترى ولا تُقتحم

اليوم، بعد أربعة وأربعين عاماً، حين أمرّ بتلك البوابة وقد أعيد بناء ما تهدم من حجرها، أتوقف لحظة وأتساءل: كم من مدنٍ في هذا العالم عرفت أن تحوّل الحصار إلى مجدٍ، والانكسار المتوقع إلى أسطورة تُروى؟ بيروت فعلتها، لا لأنها امتلكت عتاداً يفوق عتاد الغزاة، بل لأنها أنجبت رجالاً قرروا، في لحظة الحقيقة، أن يقفوا بصدورهم العارية بدل أن يفروا بجلودهم.

هذا هو المعنى الذي لن يُهدَم مهما أُعيد بناء الحجر من حوله: أن الشطر الغربي من بيروت لم يُفتح أمام جيشٍ غازٍ، لأن رجالاً وقفوا على بوابته وقالوا «لا». وستبقى ملحمة الرابع من آب شاهداً أبدياً، لا على ما كانته بيروت فحسب، بل على ما تستطيع أن تكونه كل مدينةٍ تختار الكرامة على السلامة، والعنفوان على الاستسلام.

بيروت لم تكن يوماً مدينةً تُقتحم. كانت، وستبقى، مدينةً تُرابط، إذا تستحق عن جدارة وصف: «وتبقى بيروت سيدة العواصم»...

أخبار مماثلة