تتسارع التحضيرات اللوجستية والإدارية والتقنية لافتتاح مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات، في خطوة تُعدّ من أبرز المشاريع الاستراتيجية التي يشهدها لبنان منذ سنوات، لما تحمله من أبعاد اقتصادية وإنمائية ووطنية.
فبعد عقود من اعتماد لبنان على مطار رفيق الحريري الدولي كمنفذه الجوي الوحيد، تتجه البلاد اليوم إلى مرحلة جديدة تقوم على تنويع بنيتها التحتية الجوية، بما يخفف الضغط عن المطار الحالي، ويعزز حركة النقل والسفر، ويفتح آفاقاً واسعة للنمو الاقتصادي والاستثماري، ولا سيما في محافظتي عكار والشمال، اللتين طال انتظارهما لمشاريع إنمائية بهذا الحجم.
وبحسب المعلومات فإن التحضيرات الجارية تشمل استكمال التجهيزات الفنية والإدارية، وتأهيل البنى التحتية اللازمة لاستقبال حركة الطيران، إلى جانب وضع اللمسات الأخيرة على منظومة الخدمات اللوجستية والأمنية، بما يضمن انطلاق العمل وفق أعلى المعايير المعتمدة في قطاع الطيران المدني.
وفي حديث خاص لـ"اللواء"، أكد وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني أن العمل يسير بوتيرة متسارعة، مشيراً إلى أن افتتاح مطار الرئيس رينيه معوض سيكون خلال شهر تشرين الأول المقبل، وفق الجدول الزمني الموضوع. وأعرب عن تفاؤله الكبير بنجاح المشروع، لافتاً إلى أن مختلف الترتيبات المرتبطة بتشغيل المطار قد خضعت لدراسات دقيقة، بما في ذلك تأمين وسائل النقل من وإلى المطار، لضمان سهولة وصول المسافرين وربط المطار بمختلف المناطق اللبنانية.
وشدّد رسامني على أن المشروع لا يقتصر على افتتاح منشأة جديدة للطيران، بل يشكّل استثماراً وطنياً طويل الأمد ستكون له انعكاسات مباشرة على الحركة الاقتصادية، وعلى فرص الاستثمار والتنمية في الشمال، مؤكداً أن الحكومة تنظر إلى المطار باعتباره ركيزة أساسية في تطوير قطاع النقل وتعزيز قدرة لبنان على استقطاب الحركة السياحية والتجارية.
مصادر معنية بالملف اعتبرت عبر «اللواء» أن إعادة تشغيل مطار القليعات تكتسب أهمية استثنائية في ظل التحدّيات التي شهدها لبنان خلال السنوات الأخيرة، إذ أثبتت الأزمات الأمنية والإقليمية أن الاعتماد على مطار واحد يشكّل نقطة ضعف للبنية التحتية الوطنية. لذلك، فإن وجود مطار ثانٍ جاهز للعمل يعزز قدرة الدولة على ضمان استمرارية حركة النقل الجوي، ويوفر بديلاً استراتيجياً في الحالات الطارئة، إلى جانب مساهمته في توزيع الحركة الجوية وتخفيف الضغط عن مطار بيروت.
وأشارت المصادر إلى أن أهمية المشروع لا تقتصر على الجانب اللوجستي، بل تمتد إلى البُعد الاقتصادي والإنمائي. وتوقعت أن يتحوّل المطار إلى محرك أساسي للدورة الاقتصادية في الشمال، من خلال خلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، سواء داخل المطار أو في القطاعات المرتبطة به، كالنقل البري، والخدمات، والسياحة، والفنادق، والمطاعم، والشحن الجوي، والصيانة، والتخزين.
ولفتت المصادر إلى أن انطلاق العمل في المطار يشكّل فرصة حقيقية لاستقطاب استثمارات جديدة إلى منطقة عكار والشمال، التي عانت لعقود من ضعف المشاريع الإنمائية وارتفاع معدلات البطالة. فوجود مرفق جوي حديث يرفع من جاذبية المنطقة أمام المستثمرين، ويفتح الباب أمام إقامة مناطق لوجستية وصناعية وتجارية، مستفيدة من الموقع الجغرافي الذي يربط شمال لبنان بالأسواق العربية وشرق المتوسط، ولفتت المصادر أيضاً إلى أهمية إعادة إحياء خط السكة الحديدية بين طرابلس والعبودية على الحدود اللبنانية - السورية، والذي يعتبر أول مشروع عملي لإعادة السكك الحديدية إلى الخدمة بعد عقود من التوقف.
وإذ أشادت المصادر برؤية وعمل وزير الأشغال والجهود التي يبذلها على صعيد تحديث وتطوير وزارته، لفتت إلى أهمية تطوير مرفأ طرابلس، ورأت ان كل المشاريع المنوي تنفيذها في الشمال، من المنتظر أن تسهم في تنشيط القطاع السياحي، واكتشاف المقومات الطبيعية والتراثية الكبيرة في مختلف مناطق الشمال، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على المؤسسات السياحية والاقتصاد المحلي.
من هنا، يبدو أن مطار الرئيس رينيه معوض يقترب من التحوّل من مشروع طال انتظاره إلى واقع ملموس. وإذا ما سارت التحضيرات وفق الخطة الموضوعة، فإن افتتاحه في تشرين الأول المقبل لن يكون مجرد إضافة إلى قطاع الطيران، بل محطة مفصلية في مسار التنمية الاقتصادية، وخطوة استراتيجية تعيد رسم خريطة النقل الجوي في لبنان، وتمنح الشمال فرصة طال انتظارها ليصبح شريكاً أساسياً في الحركة الاقتصادية والاستثماريّة في البلاد.