24 صفر 1448

الموافق

الأحد 09-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة زوطر الغربية بين استعادة الحياة وخط تماس جديد
زوطر الغربية بين استعادة الحياة وخط تماس جديد
رنا جوني
2026-08-09
زوطر الغربية بين استعادة الحياة وخط تماس جديد

فرض الساتر الترابي، أو خط التماس الجديد الذي أضافته القوات الإسرائيلية، على الخطوط المعقدة، نفسه على المشهد في زوطر. جاء في وقت تُعد زوطر الغربية منطقة تجريبية، غير أنّه قَلب المشهد وأعاد رسم الخطوط.

يترقب الكل في زوطر الغربية ما بعد الخط الجديد الذي طرأ، وإن كان لم يتأثر الأهالي بهذه الخطوة، التي عدّوها مستفزة. بدت الحياة طبيعية، فزوطر الغربية بدأت تستعيد بعضاً من حياتها، ولو بشق الأنفس، في طرقاتها وبين منازلها المدمرة. تُرصد حركة الآليات تعمل على رفع الركام، ولا تهدأ حركة آليات الجيش اللبناني، الذي يمسك بالشق الأمني في البلدة، يقدم المياه، ووضع بعض المصابيح للإنارة، يسعى الجيش ليقف قرب الأهالي.
 

هنا الكل يرصد المشهد، يراقب الناس حركة آليات القوات الإسرائيلية في زوطر الشرقية، تهتز البلدة مع كل تفجير يطال الشرقية، يرون تحوّل الأحياء في زوطر الشرقية رماداً.

العلاقة بين زوطر الشرقية والغربية ليست مجرد علاقة بين جارتين، يقول أبناء زوطر الغربية إن الشرقية "رئة الغربية الاقتصادية والتجارية والحياة، حتى اشتراك المولد الكهربائي كان يصلهم من الشرقية".

يتعمّد الإسرائيلي تدمير زوطر الشرقية أمام أعين الأهالي، ينقل المتفجرات ويفخخ أمامهم في "محاولة لكسر خاطر الناس"، يقول حسين ياغي، وهو يراقب آليات الإسرائيلي تقف أمام منزل في زوطر الغربية المحتلة.
يتقدم ياغي نحو الساتر الترابي الذي رفعته إسرائيل فجر السبت، على بعد أمتار من حاجز الجيش اللبناني، بحسبه: "الساتر جاء رداً على تصوير الأهالي لجرافة تنقلب أثناء تجريفها البلدة".
لم يغير الساتر الذي وصفه الأهالي "بخط تماس جديد" من حركة الأهالي، لكنه جعلهم يترقبون تطورات المشهد، وسياق التصعيد المتواصل.
ما يستغربونه "التوغل داخل بلدة يفترض أنها تجريبية وتحت سيطرة الجيش اللبناني"، وهذا دفع بحسين ياغي ليقول: "هذا عدو غدار، ولا نستبعد أن يقوم بخطوات استفزازية أخرى".

وحده الساتر الترابي غيَّر مشهد زوطر الغربية، وعدا ذلك، كان كل واحد يقوم بعمله. على أطلال منزله يقف حسين ياغي، يبحث بين الركام عن ذكريات مدفونة، ما يحزنه هو تجريف القوات الإسرائيلية لحقول الزيتون.
قبل أيام من دخول خطة المنطقة التجريبية حيز التنفيذ، جرفت إسرائيل طرقات وحقول زوطر. يقول ياغي: "عشرات أشجار الزيتون اقتلعوها من هذا الكرم، عمرها من عمر البلدة".
 

Image-1786198962.Jpeg


يأسف ياغي للنكبة التي أصابت القطاع الزراعي: "قصفوا الحقول وكروم الزيتون في زوطر الغربية والشرقية بالفسفور، قضوا على الزراعة".
يراقب ياغي حركة الدبابات: "بالأمس دمروا حي الساحة في زوطر الشرقية، وحي آخر، لا يدمرون منازل، يدمرون تاريخاً وثقافة وحياة".
كثير من المزارعين عادوا ليلملموا آثار الحرب عن حقولهم، يحمل حبيب ياغي محصول الزعتر، ويفرشه أمام منزله المدمر في زوطر الغربية، انتقل ياغي نحو الزعتر كمشروع استثماري.
قبل الحرب بعدة سنوات، تخلى عن زراعة التبغ، "لقمة التعب دون نتيجة" كما يصفها، واختار الاستثمار في الزعتر، "زراعة مريحة ومنتجة" حسبما يقول.
منذ عدة سنوات، خرجت زوطر الغربية كما الشرقية عن مسار زراعة التبغ. تعب المزارعون من أكل حقوقهم سنوياً، والاستثمار بتعبهم لصالح الريجي، قرروا الاستثمار بزراعة أكثر إنتاجية وأقل تعباً، فكانت الزعتر الجوي، الذي لاقى استحساناً واسعاً بين طيف المزارعين، وخطوا خطواتهم نحوه.

في زمن العز، كما يقول، "إنتاج الزعتر كان جيداً، ويصل الإنتاج السنوي نحو 5 إلى 6 آلاف دولار لكل موسم، والزعتر ينتج ثلاثاً إلى أربع مواسم".
اليوم دُمر قطاع الزعتر كما كل الزراعات، ومُني هذا القطاع بنكبة غير مسبوقة، دخل في أزمة لا يعرف أحد من المزارعين كيف يخرج منها.
ما إن فتحت زوطر الغربية أمام أهلها، حتى سارع ياغي للذهاب نحو حقول الزعتر، يدرك أن الموسم فاته، فقطاف الزعتر يبدأ في شهر حزيران، والتأخر يعني التلف، غير أنه حصد. يزرع ياغي بحدود الخمسة دونمات من الزعتر، حتى امتلاكه لحقول السماق والصنوبر والزيتون، فهو مزارع أصيل كما يحلو به تصنيف نفسه، عشقه للأرض دفعه للغوص بالزراعة وتطويرها.
علاقة ود زراعية جمعته بمزارعي الزعتر في زوطر الشرقية، تجمعها تعاونية زراعية واحدة تسوق إنتاجهم، بحسبه: "الزوطر توأمان لا يمكن فصلهما، صحيح أننا عدنا، لكن روحنا معلقة بالشرقية، ونتألم لتفجير أحيائها".

منذ انطلاق شرارة الحرب، انطلقت شرارة النكبة الزراعية، حقول أطفأتها نيران القذائف الفوسفورية، ومساحات خضراء احترقت واقتُلعت أشجار الزيتون، وكرت سبحة النكبة، التي يتفرج عليها المزارع بحسرة. العلاقة بين المزارع وأرضه تتخطى العلاقة بين المعول والتراب، هي علاقة ود وصداقة، هكذا يختصر ياغي الصورة، وهو يراقب حقول الزيتون المجرفة وبصمة العدو داخلها.
في ساحة البلدة يجتمع شمل شبان البلدة حول مقهى صغير، يتبادلون أطراف الحديث، يطغى المشهد الأمني على كل شيء، ويحضر ملف الساتر وتداعياته، يرون أنه حركة استفزازية، ولا يستغربون أن يتقدموا أكثر، فهذا عدو.
قرب ساحة الجامع يقف داهج إسماعيل وبعض أبناء زوطر الشرقية، يحجون بعيونهم نحو أحيائهم، يقول داهج: "نترقب المشهد، ونجهل ما ينتظرنا"، يختصر بكلمات قلق الناس من الأسوأ.

لم يغادر الجيش اللبناني مكان تمركزه، بقي في حالة تأهب، فيما ترصد عدسات الكاميرات المشهد، فالكل تفاجأ من توغل القوات الإسرائيلية، توقعوا أن لا تقدم إسرائيل على هذه الخطوة.
رسم الخرق الإسرائيلي مسار الأحداث المستجدة، جاء في ظل تصعيد أمني في المنطقة، وسط قصف مدفعي وصل إلى حدود منازل الأهالي في كفررمان، ما جعل الكل يسأل: هل دنت معرجة علي الطاهر، أم أننا نقف عند تخوم تصعيد يومي ينتهي بتوغلات وتجريفات؟
بتعقيد بالغ تسير الحياة في زوطر، التي يخشى أهلها أن يضطروا لمغادرتها إن فلتت الأمور من عقالها. يرفضون هذه الفكرة، لكن احتمالها في حساباتهم وارد. لكن الكل يمضي هنا بين ركام غيّر هوية البلدة، التي استعادت 40 في المئة منها والباقي محتلاً.

جنوبيات
أخبار مماثلة