22 صفر 1448

الموافق

الجمعة 07-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "معدن الإنسان"!
"معدن الإنسان"!
القاضي م جمال الحلو
2026-08-07
"معدن الإنسان"!

 

يُحكى أن حكيمًا في أحد القصور الملكية أراد أن يلقّن الأمير الصغير، وليَّ العهد، درسًا لا ينساه في معرفة الناس والحياة.

فسأله:
— يا مولاي، أيُّ المعادن أحبُّ إليك؟
فأجاب الأمير بثقة:
— الذهب، بالطبع.
فسأله الحكيم:
— ولِمَ الذهب؟
فقال الأمير بثقة أشد:
— لأنه أثمن المعادن وأغلاها، وهو المعدن الذي يليق بالملوك.

ابتسم الحكيم ولم يُعلِّق، ثم قال:
— سألقاك بعد يومين، ونستكمل حديثنا.

وفي الحال قصد أحد النحاتين، وطلب إليه أن يصنع تمثالين متماثلين في الهيئة والدقة؛ أحدهما من الذهب الخالص، والآخر من الطبشور، ثم يطلي تمثال الطبشور بطلاء ذهبي متقن، بحيث يستحيل التمييز بينهما بالنظر المجرد.

وبعد أن أُنجز العمل، دعا الحكيم الأمير، وقد غطّى التمثالين، ثم طلب إليه أن يكشف عنهما. وما إن رفع الغطاء حتى انبهر بجمال الصنعة وروعة الإتقان.

فسأله الحكيم:
— ما رأي مولاي؟
فقال الأمير:
— إنهما تمثالان رائعان من الذهب الخالص.

فقال الحكيم:
— تمعّن قليلًا، ألا ترى فرقًا بينهما؟

فأجاب الأمير:
— كلا.

فأعاد الحكيم السؤال:
— أمتأكد يا مولاي؟

فقال الأمير، وقد بدا عليه الضجر:
— قلت لك: لا أرى أي فرق. أما تدرك أن كلام الملوك لا يُعاد؟

عندها أشار الحكيم إلى أحد الخدم، وكان يحمل دلوًا من الماء، فأومأ إليه أن يسكب الماء على التمثالين. وما إن انهمر الماء حتى ذُهل الأمير؛ إذ أخذ تمثال الطبشور يتفتت ويتلاشى، بينما ازداد تمثال الذهب بريقًا ولمعانًا.

فقال الحكيم:
— يا مولاي، هكذا الناس. ففي الرخاء قد تتشابه الوجوه، وتختلط الحقائق بالمظاهر، أما عند الشدائد فتسقط الأقنعة، ويظهر المعدن الأصيل. فمن كان معدنه ذهبًا ازداد ثباتًا وإشراقًا، ومن كان طبشورًا تهاوى عند أول اختبار. فما أكثر ما تخدعنا الأبصار، وما أقل من يُحسن قراءة البصائر.

عندئذ أدرك الأمير مغزى الحكمة، وقال:
— صدقت يا معلّمي، فالشدائد تمتحن المعادن، فيظهر النفيس من الخسيس.

صفوة القول، لا تنخدع ببريق المظاهر ولا تُسارع إلى الحكم على الناس بما تراه العين لأول وهلة؛ فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يملك، ولا بما يُظهر، وإنما بما يثبت عليه حين تعصف به المحن. فالأزمات ليست لعنةً دائمًا، بل هي ميزان يكشف صدق الرجال، وغربال يميّز الوفاء من الادعاء، ويُظهر معادن النفوس على حقيقتها. وما أثمن أولئك الذين يزدادون وفاءً وثباتًا كلما اشتدت الأيام، وما أقلَّ من يبقى حين يرحل المتلونون. فاحرص على أن يكون معدنك ذهبًا، لا يبهت مع الزمن، ولا تذيبه الشدائد، بل يزيده الابتلاء صفاءً ولمعانًا.

القاضي م. جمال الحلو

أخبار مماثلة