في بنايةٍ قديمةٍ في الأشرفية، كانت سلّةُ قشٍّ صغيرة تتدلّى كلَّ صباحٍ من درابزين الطابق الثاني، ولا أحد يعرف مَن يعلّقها.
في البداية، ظنّ السكان أنّها سُلّةٌ تُركت نسيانًا. ثم لاحظ أبو جورج، بائع الخضار المتقاعد، أنّ فيها رغيفين وحبّتَي بندورة. وفي اليوم التالي، وجدت الجارة ليلى فيها علبةَ دواءٍ. وشيئًا فشيئًا، صارت السلّة سرَّ البناية: مَن احتاج أخذ بصمت، ومَن استطاع وضع بصمت، ولا أحد يسأل.
لكنّ الفضول غلب كريم، ابن التاسعة، فقرّر أن يسهر ليلًا ليكشف صاحب هذا العطاء الخفي. وعند الفجر، سمع خطواتٍ متثاقلة. فتح الباب قليلًا، فرأى السيدة أمّ نبيل، أرملةَ الطابق الأخير، تنزل متّكئةً على عكّازها، وتضع في السلّة رغيفًا دافئًا من فرنها الصغير.
سألها هامسًا:
«لماذا تُخفين الأمر يا ستّي؟»
ابتسمت وقالت:
«لأنّ الكرم، إن عُرف صاحبه، صار دَينًا، وإن جُهل، صار محبّة.»
عاد كريم إلى فراشه، ولم يخبر أحدًا.
وفي الصباح التالي، وضع في السلّة تفّاحته الوحيدة.
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد السلّة تمتلئ بالخبز وحده، بل بأسرارٍ صغيرة يحرسها الجميع: وردةٌ من جارة، وقلمُ رصاصٍ لتلميذ، وكيسُ شايٍ لمن أنهكه السهر، وقطعةُ حلوى لطفلٍ لم يجد مَن يفرح قلبه.
وهكذا أدركت البناية أنّ الخير لا يحتاج دائمًا إلى أسماء، وأنّ أجمل العطاء ما لا ينتظر شكرًا ولا يطلب اعترافًا. فقد تكبر المحبّة حين لا يعرف الناس مَن بدأها، وتنتقل من يدٍ إلى يد، حتى يصبح فعل الخير عادةً تشبه الضوء: يصل إلى الجميع، ولا يسأل أحدًا مَن أشعله.
ولعلّ أجمل ما في الحكاية أنّ السلّة لم تكن معلّقة على درابزين بنايةٍ قديمة فحسب، بل كانت معلّقةً على بابٍ أعمق: باب القلب. وحين يُفتح هذا الباب، يصبح القليل كثيرًا، والصمت لغةً، والعطاء جسرًا يعبر عليه الناس من وحشة الحاجة إلى دفء المحبّة.