5 ربيع الثاني 1448

الموافق

الجمعة 18-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم حين تحاول واشنطن حجب فلسطين… تتقدم فلسطين....
حين تحاول واشنطن حجب فلسطين… تتقدم فلسطين....
د. عبدالرحيم جاموس
2026-09-18
حين تحاول واشنطن حجب فلسطين… تتقدم فلسطين....

لم تعد محاولة الولايات المتحدة منع ممثلي دولة فلسطين من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة مجرد مسألة تأشيرات أو إجراء إداري؛ فقد تحولت إلى اختبار مباشر لمدى احترام الدولة المضيفة للمنظمة الدولية، وللالتزامات التي تحكم علاقتها بها، وإلى مواجهة مكشوفة بين إرادة المجتمع الدولي وسياسة أمريكية تصر على الانحياز للمستعمرة الإسرائيلية.

بأغلبية 152 دولة، مقابل ثلاث دول فقط وامتناع أربع عن التصويت، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يسمح لدولة فلسطين بالمشاركة في المداولات العامة للدورة الحادية والثمانين عبر رسالة مسجلة مسبقاً لرئيسها تُعرض في قاعة الجمعية العامة، كما أعربت عن أسفها لقرار الولايات المتحدة رفض منح وإلغاء تأشيرات لممثلي دولة فلسطين قبل الدورة الحالية والسابقة.

ليست أهمية التصويت في رقمه الكبير فحسب، بل في الرسالة التي يحملها: محاولة واشنطن منع الحضور الفلسطيني لم تستطع أن تمنع الحضور السياسي لفلسطين، بل دفعت الجمعية العامة إلى تأكيده بأغلبية ساحقة.

فالاتفاق المنظم لوضع مقر الأمم المتحدة لا يجعل الدولة المضيفة صاحبة سلطة مطلقة في تقرير من يدخل إلى المنظمة الدولية، ولا يتيح لها استخدام التأشيرات أداةً لمنع ممثلي الدول المدعوين من أداء وظائفهم الأممية. وقد أكد خبراء أمميون أن التزامات الولايات المتحدة بموجب اتفاق المقر تقتضي تيسير وصول ممثلي الدول إلى مقر الأمم المتحدة.

ومن هذه الزاوية، فإن الموقف الأمريكي لا يثير إشكالاً سياسياً فحسب، بل يثير إشكالاً قانونياً جدياً؛ لأن الدولة المضيفة مطالبة باحترام استقلال المنظمة الدولية وتمكين ممثلي الدول المدعوين من الوصول إليها، لا أن تجعل بوابة الدخول إليها خاضعة للحسابات السياسية.

والأشد دلالة أن هذا الإجراء لم يكن عابراً، بل تكرر للعام الثاني، بما يجعل الأمر أقرب إلى سياسة منه إلى حادثة منفردة.

وهنا يظهر الصلف الأمريكي في أوضح صوره: دولة كبرى تتحدى إرادة أغلبية المجتمع الدولي، وتتصرف في قضية تتصل مباشرة بعمل الأمم المتحدة وكأن قوة الدولة المضيفة تستطيع أن تتقدم على قواعد المنظمة وإرادتها الجماعية.

لكن المفارقة أن النتيجة جاءت معاكسة.

كلما حاولت واشنطن حجب فلسطين، اتسع حضور فلسطين.

وكلما استُخدمت التأشيرة لمنع الصوت الفلسطيني من الوصول إلى القاعة، ارتفع عدد الدول التي تؤكد حق فلسطين في أن يكون صوتها مسموعاً فيها.

وهذا هو الجانب الذي يتجاوز مسألة التأشيرة ذاتها. فالموقف الأمريكي يأتي في سياق انحياز متواصل للمستعمرة الإسرائيلية، ومحاولات متكررة لتوفير الحماية السياسية لها من الضغوط والمساءلة الدولية، في وقت تتسع فيه دائرة الدول التي تؤكد ضرورة احترام القانون الدولي وإنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه الوطنية المشروعة.

ولا يعني ذلك أن تصويت الجمعية العامة وحده يغيّر موازين القوة على الأرض؛ لكنه يكشف بوضوح عن اتساع الفجوة بين السياسة الأمريكية وبين الاتجاه الغالب داخل المجتمع الدولي تجاه القضية الفلسطينية.

فلسطين لا تستمد حضورها من تأشيرة أمريكية، ولا تستمد حقوقها من موافقة واشنطن.

وجودها في الأمم المتحدة يستند إلى مكانتها الدولية وقرارات المنظمة وحقوق شعبها، ومحاولة منع ممثليها من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة لا تستطيع أن تلغي هذه الحقيقة.

بل إن المفارقة الأعمق أن الولايات المتحدة، بمحاولتها منع الرئيس الفلسطيني من مخاطبة الجمعية العامة حضورياً، دفعت الجمعية نفسها إلى اتخاذ قرار يعالج هذا المنع ويضمن وصول الرسالة الفلسطينية إلى القاعة.

لقد أُغلقت بوابة التأشيرة، ففُتح منبر الجمعية العامة.

وهنا تكمن الرسالة السياسية والقانونية الأوضح في تصويت 152 دولة:

فلسطين لا تُحجب بالتأشيرة، وحقوق شعبها لا تُلغى بقرار أمريكي، والأمم المتحدة ليست ملكاً للدولة المضيفة.

والسؤال الذي يفرض نفسه على السياسة الأمريكية ليس: كيف تمنع فلسطين من الوصول إلى نيويورك؟ بل: إلى متى تستطيع واشنطن أن تتحدى بهذا القدر إرادة المجتمع الدولي، وأن تواصل حماية المستعمرة الإسرائيلية من استحقاقات القانون الدولي، ثم تتحدث في الوقت نفسه باسم النظام الدولي القائم على القواعد؟

فالقوة قد تستطيع منع شخص من عبور الحدود، لكنها لا تستطيع منع حقيقة من عبور التاريخ.

د. عبد الرحيم جاموس
عضو المجلس الوطني الفلسطيني
رئيس المجلس الإداري للاتحاد العام للحقوقيين الفلسطينيين

أخبار مماثلة