5 ربيع الثاني 1448

الموافق

الجمعة 18-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم لم نكن نعرف أنها المرة الأخيرة
لم نكن نعرف أنها المرة الأخيرة
د. مؤيد بدران
2026-09-18
لم نكن نعرف أنها المرة الأخيرة

أقسى ما في الحياة أنها لا تخبرنا متى تكون المرة الأخيرة.

لا تقول لنا:

انتبه…
هذه آخر مرة ستجلس فيها مع هذا الإنسان.

لا تضيء إشارة حمراء قبل العناق الأخير،
ولا يتغير لون السماء عندما نسمع صوتًا للمرة الأخيرة،
ولا تتوقف الساعة لحظة خروج شخص من باب بيتنا، لن يعود إليه أبدًا.

كل شيء يحدث بصورة عادية جدًا.

وهنا تكمن القسوة.

ربما كان أبوك يجلس أمامك ذات مساء ويتحدث في أشياء بسيطة.

وأنت تستمع بنصف انتباه.

ربما كنت تنظر إلى هاتفك، أو تفكر في عملك، أو تنتظر انتهاء الحديث.

لم تكن تعرف أنك ستأتي بعد سنوات، مستعدًا لأن تعطي الكثير، فقط ليجلس أمامك عشر دقائق أخرى…

ويتحدث في الأشياء البسيطة نفسها.

وربما نادتك أمك يومًا من الغرفة الأخرى، فقلت لها:

«بعد شوي.»

كلمتان عاديتان جدًا.

لكن بعض الـ«بعد شوي» لا تأتي أبدًا.

نحن لا نفقد الناس يوم رحيلهم فقط.

أحيانًا نفقدهم قبل ذلك بسنوات، ونحن لا ندرك.

حين يكبر الأب، ولا ننتبه إلى أن خطواته أصبحت أبطأ.

حين تتعب الأم، بينما ما زلنا نراها المرأة التي لا تتعب.

حين يكبر أطفالنا أمام أعيننا، ونظل نؤجل اللعب معهم إلى أن يأتي يوم لا يطلبون فيه أن نلعب معهم أصلًا.

حين يقل اتصال صديق كان يتصل كل يوم، ثم يصبح مرة في الأسبوع، ثم في المناسبات، ثم يتحول اسمه في الهاتف إلى ذكرى لعلاقة كانت يومًا جزءًا من حياتنا.

لا أحد يطرق الباب ليقول:

لقد انتهت مرحلة من عمرك.

إنها تنتهي فقط.

بهدوء.

كبرنا ونحن نظن أن الفقد يعني الموت.

ثم علمتنا الحياة أن للفقد أشكالًا كثيرة.

هناك أشخاص أحياء فقدناهم.

وبيوت ما زالت قائمة، لكننا فقدنا الأيام التي عشناها داخلها.

وأصدقاء ما زالت أرقامهم في هواتفنا، لكن الطريق بيننا وبينهم لم يعد موجودًا.

وأطفال أصبحوا رجالًا ونساء، بينما ما زلنا نبحث في وجوههم عن الصغار الذين كانوا ينامون في أحضاننا.

وهناك نحن…

نسخة قديمة منا كانت تضحك أكثر، وتخاف أقل، وتصدق الناس بسهولة، وتفرح بأشياء صغيرة جدًا.

هي أيضًا رحلت.

أحيانًا أفتح صورة قديمة وأتأملها طويلًا.

ليس لأن الصورة جميلة.

بل لأن الذين فيها لم يكونوا يعرفون ما سيحدث بعد التقاطها.

كانوا يبتسمون للمصور، ولا يعرفون من سيبقى منهم، ومن سيرحل، ومن ستفرقه المسافات، ومن ستغيره الأيام.

لم يكونوا يعرفون أن لحظة عادية كهذه ستصبح بعد سنوات كنزًا.

وهذا ما يوجع في الصور القديمة:

أنك تعرف مستقبل الأشخاص الذين في الصورة…

وهم لا يعرفونه.

كم هو غريب هذا العمر.

في طفولتنا كنا نستعجل أن نكبر.

وحين كبرنا، بدأنا ندفع من أرواحنا لنعود، ولو لدقائق.

نريد صباحًا واحدًا من صباحات البيت القديم.

مائدة واحدة تجمع الذين فرقتهم الدنيا.

نريد أن نسمع صوت أبي وهو ينادينا بالطريقة القديمة.

أن ندخل المطبخ فنجد أمنا كما كانت.

أن نجلس مع إخوتنا قبل أن يصبح لكل واحد بيت وهمّ وطريق.

أن يعود أبناؤنا صغارًا ليلة واحدة.

لا نريد شيئًا عظيمًا.

فقط يومًا عاديًا…

من تلك الأيام التي لم نكن نعرف أنها كانت أجمل أيام حياتنا.

والأغرب أننا ما زلنا نكرر الخطأ نفسه.

نحن الآن أيضًا داخل أيام سنشتاق إليها.

هناك شخص قريب منا سنفتقده يومًا.

هناك صوت نسمعه اليوم وسنبحث عنه غدًا.

هناك بيت مزدحم نتمنى أحيانًا لو يهدأ، وسيأتي يوم قد يصبح فيه هدوؤه موجعًا.

هناك طفل يطلب منا الانتباه، وسيكبر.

هناك أم تنتظر اتصالًا.

هناك أب يخفي تعبه كي لا يقلق أبناءه.

وهناك أصدقاء نقول دائمًا إننا سنلتقي بهم «قريبًا».

نحن نعرف كل ذلك…

ومع ذلك نؤجل.

كأن معرفتنا بأن العمر قصير لم تغيّر فينا شيئًا.

لسنا بحاجة إلى حياة أطول بقدر حاجتنا إلى أن نستيقظ داخل الحياة التي لدينا.

أن ننتبه.

أن ننظر في وجه من يحدثنا بدل أن ننظر إلى الهاتف.

أن نعانق أبناءنا قبل أن يصبح العناق محرجًا بالنسبة إليهم.

أن نجلس إلى جانب آبائنا حتى لو لم يكن هناك شيء مهم يقال.

فوجودهم هو الشيء المهم.

أن نسأل أمهاتنا عن حكاياتهن القديمة، حتى لو سمعناها مئة مرة.

سيأتي يوم نتمنى فيه سماع الحكاية للمرة المئة وواحد…

ولا نجد من يرويها.

لا تؤجلوا الكلمات.

هناك اعتذارات إذا تأخرت تصبح بلا عنوان.

وهناك «أحبك» تصل متأخرة فلا يسمعها أحد.

وهناك أبواب إذا أُغلقت لا تفتحها كل ندامة العالم.

وهناك قبور يقف أمامها الإنسان طويلًا، يحمل في صدره حديثًا كاملًا…

لكن الطرف الآخر لم يعد يستطيع سماعه.

وما أثقل الكلام عندما لا يعود هناك من يسمعه.

وفي النهاية…

لن يؤلمنا أننا لم نعمل ساعة إضافية.

ولن نبكي لأننا لم نشترِ سيارة أغلى.

ولن نتمنى لو أمضينا وقتًا أطول في مكاتبنا.

سنبحث في ذاكرتنا عن البشر.

عن ضحكة.

عن حضن.

عن رائحة بيت.

عن يدٍ كانت تربت على كتفنا.

عن صوت كان يقول لنا:

«دير بالك على حالك.»

وسنفهم متأخرين أن ثروتنا الحقيقية لم تكن يومًا في حساباتنا…

كانت تجلس معنا إلى المائدة.

كانت تنام في الغرفة المجاورة.

كانت تتصل بنا لتطمئن علينا.

وكانت تنتظر أن نرفع رؤوسنا من انشغالاتنا وننتبه إليها.

لذلك، حين تعود إلى بيتك اليوم…

لا تمرّ بمن تحب مرورًا عابرًا.

انظر إليهم جيدًا.

احفظ أصواتهم.

احفظ ضحكاتهم.

اجلس معهم أكثر مما اعتدت.

وقل ما في قلبك دون حساب.

لأنك لا تعرف أي لحظة ستختارها الحياة لتصبح ذكرى.

ولا تعرف أي باب سيُغلق للمرة الأخيرة.

ولا أي يد ستفلت من يدك إلى الأبد.

نحن نظن أننا نودّع الناس عندما يموتون…

لكن الحقيقة الأكثر وجعًا:

أن معظم وداعاتنا الكبرى حدثت في أيام عادية جدًا،
ابتسمنا فيها، وانصرفنا،
ولم يكن أحد منا يعرف…
أنها كانت المرة الأخيرة.

بقلم د. مؤيد بدران

أخبار مماثلة