ما حدث داخل المجلس النيابي اللبناني ليس مجرد مشهد إضافي من مشاهد الخلاف السياسي... فحين تتحول قاعة يفترض أن تكون مكانًا للكلام والحوار والمساءلة إلى مساحة للصراخ والتحدي والإهانات المتبادلة، يصبح من المشروع أن نسأل سؤالًا نفسيًا قبل أن نسأل السؤال السياسي: ماذا يحدث لجماعة حين تعجز عن الكلام؟!!سياحة لبنان
فالسياسة في جوهرها محاولة لاستبدال العنف بالكلمة… النائب لا يحمل سلاحًا داخل المجلس كي يفرض موقفه، بل يحمل خطابًا وحجة وصوتًا! ولذلك فإن انهيار لغة الحوار ليس تفصيلًا شكليًا إنما علامة على أن الكلمة نفسها بدأت تفقد وظيفتها الرمزية!!
في التحليل النفسي، لا يظهر العنف من فراغ…غالبًا ما يظهر حين يعجز الإنسان عن احتمال الإحباط أو الاختلاف أو فقدان السيطرة. هنا يصبح الآخرعندها ليس شخصًا يختلف معي، بل تهديدًا لوجودي النفسي!!ومن هنا يبدأ التحول الخطير: أنا لا أختلف معك، بل أنت تصبح خصمي، ثم تصبح خطرًا و ثم يصبح إسكاتك ضرورة!!
وهذه الآلية يمكن أن نراها بوضوح في الخطاب السياسي اللبناني!!
فالمجلس النيابي، بدل أن يكون مكانًا يحتمل تعدد الأصوات يتحول أحيانًا إلى مسرح لصراع على من يملك الحق في تعريف الحقيقة…كل فريق يدخل وفي داخله يقين بأنه يمثل لبنان الحقيقي فيما يتحول الآخر إلى لبنان الزائف أو الخائن أو المتآمر أو المستسلم!!
هنا تعمل آلية نفسية معروفة: «الإسقاط»…
ما لا يستطيع الفرد أو الجماعة الاعتراف بوجوده داخل الذات، يجري وضعه في الآخر... الخوف يصبح خيانة الآخر، والعنف يصبح عنف الآخر، والرغبة في السيطرة تصبح اتهام الآخر بالهيمنة…وهكذا يصبح التخلص من الآخر أسهل من مواجهة التناقض الموجود داخل الذات!
لكن هناك آلية أخرى أكثر خطورة: «النرجسية الجماعية»…
الجماعة النرجسية لا تحتمل أن تُنتقد لأنها لا تسمع النقد بوصفه فكرة، بل بوصفه إهانة لكرامتها ووجودها…ولذلك يصبح الدفاع عن الجماعة دفاعًا عن الذات…وكل تشكيك بالموقف يتحول إلى اعتداء شخصي، وكل اعتراض يصبح مؤامرة!
وهنا تحضر إلى ذهني عبارة فرويدية شديدة الدلالة: «الطوطم والتابو» أو «الطوطم و الحرام»!
فالطوطم ليس مجرد رمز، إنه الشيء الذي تُسقط عليه الجماعة جزءًا من هويتها..فتدافع عنه كما لو أنها تدافع عن ذاتها.
أما «الحرام» فهو الحدود التي لا يُسمح بتجاوزها، ليس بالضرورة لأنها عقلانية بل لأن الجماعة منحتها قوة رمزية!!وحين تختلط السياسة بالطوطم، يصبح الزعيم أو الحزب أو الطائفة أو الرمز السياسي شيئًا لا يُناقش بل يُقدّس أو يُحمى من المساءلة…
عندها لا يعود السؤال: هل هذا الموقف صحيح؟
بل يصبح: «كيف تجرؤ على المساس بطوطمنا؟»
وهذه هي اللحظة التي تتراجع فيها السياسة ويبدأ المقدس السياسي بالظهور..فيصبح النقد تدنيسًا، والاختلاف خيانة، والاعتذار إذلالًا!! وحينها لا تعود المؤسسة قادرة على إنتاج نقاش عقلاني، لأنها أصبحت تعمل وفق منطق «المسموح» و«المحرّم»، لا وفق منطق الحجة والدليل!!
ويا للأسف على وطنٍ صار في بعض مشاهده كعنقود عنب يتخانقون عليه حبةً حبة…
كل طرف يشد العنقود نحوه، وكل حبة تتحول إلى قضية وجود! فيما العنقود نفسه يتفتت بين الأيدي... لبنان الذي كان يفترض أن يكون وطنًا كاملًا، أصبح أحيانًا مجموعة أجزاء تتصارع على من يملك الحق في امتلاكه وكأن الوطن غنيمة لا مساحة مشتركة…سياحة لبنان
والمؤلم أن المشهد لا يبقى داخل جدران المجلس…
فماذا تقول عنا اليوم عينٌ خارجية تراقب هذا المشهد؟
ماذا تقول إسرائيل وهي ترى اللبنانيين يتصارعون أمام الكاميرات بدل أن يظهروا أمام العالم كدولة واحدة؟!!
وماذا تقول الولايات المتحدة، وهي تراقب مؤسسة يفترض أن تكون عنوانًا للديمقراطية وهي تغرق في مشاهد من الصراخ والمناكفات؟!!
ما رأي ايران يا تُرى؟!
يا شماتة الأعداء فينا!!!استكشف كتب الحروب
ربما لا نعرف ماذا يقولون فعلًا، ولا يجوز أن نتحدث باسمهم... لكن السؤال الذي ينبغي أن يؤلمنا هو: ماذا يرى العالم فينا عندما يرى ممثلي شعبنا عاجزين عن تمثيل صورة الدولة التي نريدها؟!
فالخارج لا يرى دائمًا تفاصيل وجعنا، ولا يعرف تاريخ خصوماتنا ولا جروحنا القديمة… إنه يرى الصورة!
والصورة أحيانًا تكون أقسى وأبشع من الحقيقة….
حتى السلاح هنا يتجاوز معناه العسكري ليصبح رمزًا نفسيًا لامتلاك القدرة على فرض الحدود حين تعجز الكلمة عن ذلك. لذلك فإن حصرية السلاح ليست مسألة أمنية فقط، بل سؤال عن من يملك حق الحماية والقرار والقدرة على قول «لا»؟!
في المخيال الجمعي، تصبح الدولة أبًا غائبًا أو ضعيفًا، فتتعدد الآباء البديلة: الحزب، الزعيم، الطائفة والعائلة السياسية، بحثًا عن سلطة تحمينا من خوفنا من الآخر وتمنع التشرذم….كتب سياسية
وهنا يصبح الحوار مستحيلًا، لأن السياسة حين تتحول إلى امتداد لنرجسية الجماعة، يصبح التراجع هزيمة والاعتذار إذلالًا والاعتراف بالخطأ تهديدًا للهوية…
لذلك ليست مشكلة لبنان أن سياسييه يختلفون كثيرًا، بل أنهم لا يعرفون كيف يختلفون دون أن يحوّلوا الاختلاف إلى عداوة….وهذه ليست أزمة مجلس نيابي فحسب، بل أزمة مجتمع بأكمله!!!
حين يرى المواطن ممثليه يتخاطبون بهذه الطريقة، يتعلم منهم شيئًا أخطر من مضمون مواقفهم السياسية: يتعلم أن القوة أعلى من الحجة وأن الصوت الأعلى ينتصر، وأن الخصم لا يُحاور بل يُكسر!!
وهكذا ينتقل العنف من المؤسسة إلى الشارع، ومن الخطاب السياسي إلى العلاقات الاجتماعية ومن السياسة إلى النفس…سياحة لبنان
ربما يحتاج لبنان اليوم إلى ما هو أكثر من إصلاح سياسي… يحتاج إلى إعادة الاعتبار للكلمة!!
أن نستعيد القدرة على الاختلاف دون إلغاء الآخر!
أن نحتمل أن يكون الآخر موجودًا…
أن نفهم أن الدولة ليست انتصار فريق على فريق، وأن الديمقراطية ليست أن أربح دائمًا..بل أن أقبل بأنني قد أخسر دون أن أشعر أن وجودي نفسه قد انهار!
فالبلد الذي يعجز نوابه عن احتمال بعضهم البعض، كيف سيطلب من مواطنيه أن يحتملوا بعضهم البعض؟!
وحين تصبح الكلمة عاجزة عن تنظيم الخلاف، يبدأ العنف بالتكلم مكانها…
أيها السادة النواب…
بدل أن يوجّه كلّ منكم إصبعه إلى الآخر، فليجرؤ هذه المرة على أن يوجّهه إلى نفسه…
ليتوقّف قليلًا عن البحث عن المذنب في المقعد المقابل، ويسأل نفسه: ماذا فعلتُ أنا بهذا الوطن؟
ماذا فعلت بـِ و لـِ «شعبي»؟؟؟؟!
وليتجرّأ أحدكم ولو مرة، على الوقوف أمام الكاميرا ويقول:
أنا أيضًا السبب!!!
ربما لستم أنتم المسؤولين وحدكم…
ربما هي الخمسة آلاف دولار التي تتقاضونها شهريًا، والحصانات والمواكب والامتيازات، والحسابات المصرفية…
كل ذلك يعيد إلى ذاكرتي رجلًا بسيطًا صادفته في أوروبا، يستقل دراجة هوائية ويتوقف عند الحاوية ليرمي كيس نفايات بيته…و الصدمة الكبرى حينما عرفت انه نائبٌ!!دولته اليوم من أقوى دول العالم…
الرجل يعرف تمامًا أنه مجرد موظف لدى الشعب، بلا أي بارانويا بالسلطة!
فماذا عنكم؟!!
* معالِجة نفسية وكاتبة في علم النفس السياسي،العيادي والتربوي