24 صفر 1448

الموافق

الأحد 09-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم نحن لا نخسر الناس فجأة!
نحن لا نخسر الناس فجأة!
د. مؤيد بدران
2026-08-09
نحن لا نخسر الناس فجأة!

لا يستيقظ أحدهم ذات صباح فيقرر، دون مقدمات، أن يصبح غريباً عن شخص كان يوماً جزءاً من تفاصيل حياته. ولا تتحول العلاقات الحقيقية إلى ذكريات في لحظة واحدة.

غالباً، يبدأ الرحيل قبل أن نراه.

يبدأ برسالة لم نعد ننتظرها كما كنا، وسؤالٍ عن الحال أصبح أقل دفئاً، ولقاءٍ تأجل مرة بعد مرة، وحديثٍ كان يمتد لساعات فأصبح ينتهي بكلمات قليلة.

ثم تأتي تلك التفاصيل الصغيرة التي نظن أنها لا تعني شيئاً، بينما هي في الحقيقة تكتب النهاية بهدوء.

فالقلوب لا تُغلق أبوابها دفعة واحدة، وإنما تُغلقها باباً بعد باب.

قد يكون الإنسان أمامك، يبتسم لك ويحادثك، لكنه في داخله قطع نصف طريق الرحيل. وربما يستمر في الحضور زمناً طويلاً بعد أن غادر شعورياً؛ احتراماً لما كان، أو وفاءً لذكريات جميلة، أو انتظاراً لمحاولة أخيرة تعيد الأشياء إلى مكانها.

لكن المحاولات أيضاً تتعب.

والعتاب، مهما طال، ليس دائماً علامة خصام؛ أحياناً يكون آخر أشكال التمسك.

فالإنسان لا يعاتب من لا يعنيه، ولا يغضب ممن أصبح وجوده وغيابه سواء. وربما يكون أخطر ما تصل إليه علاقة بين اثنين ليس الخلاف، ولا ارتفاع الأصوات، بل ذلك الهدوء البارد الذي يأتي حين لا يعود أحدهما ينتظر شيئاً من الآخر.

عندها يصبح الصمت أكثر وضوحاً من الكلام.

كم من صداقة انتهت لأن كل طرف كان ينتظر الآخر ليبدأ؟

وكم من علاقة ماتت لأن كلمة «آسف» جاءت متأخرة؟

وكم من إنسان ابتعد، ليس لأنه أراد الرحيل، بل لأنه تعب من الوقوف أمام باب لا يُفتح؟

نحن، في كثير من الأحيان، لا ننتبه إلى قيمة بعض الأشخاص إلا عندما تتغير أماكنهم في حياتنا. نعتاد وجودهم حتى نظن أن وجودهم مضمون، ونؤجل السؤال عنهم، ونؤجل اللقاء، ونؤجل الاعتذار، وكأن العمر أعطانا وعداً بأن الجميع سيبقون حيث تركناهم.

لكن الحياة لا تقدم مثل هذه الضمانات.

الناس يتغيرون، والظروف تتغير، والقلوب التي تصبر طويلاً قد يأتي عليها يوم لا تستطيع فيه أن تصبر أكثر.

لهذا، لا تنتظر الغياب حتى تعرف قيمة الحضور.

إن كان هناك شخص تحبه، أخبره.

وإن اشتقت إلى أحد، اسأل عنه.

وإن أخطأت، اعتذر.

وإن كان بينك وبين إنسان عزيز سوء فهم، فلا تجعل الكبرياء أطول عمراً من المحبة.

فبعض المسافات يمكن اختصارها بكلمة، وبعض القلوب يمكن استعادتها بموقف، وبعض العلاقات لا تحتاج معجزات كي تستمر؛ تحتاج فقط إلى شخصين لا يسمحان للصمت بأن يقوم مقام الكلام.

وفي النهاية، عندما يغادر أحدهم حياتنا، قد نظن أن الرحيل حدث في ذلك اليوم.

لكن الحقيقة مختلفة.

نحن لا نخسر الناس يوم يرحلون…
نحن نخسرهم في كل مرة كان بإمكاننا أن نقترب منهم، واخترنا أن نبتعد.

أخبار مماثلة