24 صفر 1448

الموافق

الأحد 09-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "وَهْمُ الْوَطَنِ الْمُسْتَعَار"!
"وَهْمُ الْوَطَنِ الْمُسْتَعَار"!
القاضي م جمال الحلو
2026-08-09
"وَهْمُ الْوَطَنِ الْمُسْتَعَار"!

هذه القصة أخبرنيها أحد زملاء الدراسة في المرحلتين المتوسطة والثانوية، قائلًا لي:

«سمعت هذه الحكاية من أحد كبار السن في بلدتي في الجنوب المقاوم، وأحببت أن أسردها على مسامعك؛ لما في مضمونها من عبر وحكم هادفة، وما تنطوي عليه من معانٍ تستحق التأمل.»

يُحكى أن قطًّا أدركه الهرم، فأصبح يؤثر الكسل على أي عمل مفيد، وبات عبئًا على بني قومه؛ فنبذوه لكثرة كلامه بلا علم، وكثرة أكله بلا عمل.

سخط القط، ولجأ إلى كلب يناصب قومه العداء، شاكيًا إليه تنكّر قومه له، وضجرهم منه، وزهدهم فيه، راجيًا منه أن يشفي غليله منهم.

وجد الكلب فرصته الذهبية لتحقيق مبتغاه، فحشد أقرانه، وجعل القط في مقدمتهم ليرشدهم إلى مواقع القطط ومكامنها؛ فأغاروا عليها، وجعلوها شَذَرَ مَذَرَ، وشرّدوا أهلها، وأخرجوهم من ديارهم.

وقف القط العجوز منتشيًا فوق الأطلال المدمّرة، وهزّ ذيله مسرورًا بانتصار الكلاب على بني قومه، ثم ألقى قصيدة عصماء يشكر فيها كبير الكلاب على إعادته سيدًا مبجّلًا في وطنه.

عندها اقترب منه كبير الكلاب، ولطمه لطمةً رمته أرضًا بين الحياة والموت، وقال له هازئًا:

«أيها المغفّل، إن وطنًا طردتك منه القطط، أتبقيك فيه الكلاب؟!

لو علم فيك قومك خيرًا ما نبذوك، ولو كان فيك شيء من الوفاء ما كشفت لنا ظهر قومك، ولو كنت ذا بأس ما لجأت إلينا.

أيها التعس، أبلغ بك ظنك الأحمق أن الكلاب تنشئ لك وطنًا؟!

إنها النشوة الزائفة التي تملأ قلب كل متآمر على وطنه، فيتوهم أن الغريب سيكرمه، وأن العدو سيحفظ له مكانته، وأنه سيمنحه ما عجز عن بنائه بين أهله.

ولكن هيهات، ثم هيهات!

إن من يبيع أهله ليشتري مجدًا زائفًا، لا يشتري إلا مهانة مؤجلة؛ ومن يكشف ستر وطنه للغريب، لا يملك بعد ذلك أن يطلب من الغريب سترًا ولا وفاءً.

فالوطن لا يحميه من يستقوي عليه بالغريب، ولا يبنيه من يفتح أبوابه لمن جاء لهدمه، ولا يحفظ كرامته من باع كرامة أهله طمعًا في منفعة عابرة أو مكانة موهومة.

وأشد ما في الخيانة مأساةً أن الخائن قد يظن، في لحظة من الغرور، أنه ينتصر، ولا يدرك أنه إنما يحفر بيديه المكان الذي سيدفن فيه اسمه وكرامته. فالذين يستعين بهم على هدم بيته لن يجعلوه، بعد سقوط البيت، صاحب البيت؛ ومن يدخل أرضه على ظهر عدوّ قومه، سيظل في عيون ذلك العدو أداةً لا شريكًا، ووسيلةً لا صاحب قرار.

وقد يغضب الإنسان من قومه، وقد يختلف معهم، وقد يشعر بالظلم أو الجحود، لكن للخلاف حدودًا لا يجوز أن يتجاوزها، وللوطن حرمةً لا ينبغي أن تكون ثمنًا لخصومة عابرة.

فليس كل من وعدك بالمجد يريد لك المجد، وليس كل من صفق لك صديقًا، وليس كل يد تمتد إليك لإنقاذك خالية من الأطماع. وقد يكون أخطر الأعداء هو ذلك الذي يأتيك بثوب الصديق، ويتركك تكتشف متأخرًا أنك لم تكن عنده إلا جسرًا يعبر عليه إلى غايته.

وهنا تكمن العبرة الأعمق في الحكاية: أن الإنسان قد يخسر مكانه بين أهله، فيسعى إلى استعادته بالطريق الخطأ، فيخسر في النهاية أهله ومكانته ونفسه. ومن عجز عن أن يبني لنفسه مقامًا بالعمل والوفاء، فلن يبنيه له الغريب بالخيانة والارتهان.

فالأوطان لا تُستعاد بالخناجر التي تأتي من خلف الحدود، ولا تُصان بمن يستدعي الغرباء إلى أبوابها، ولا تُبنى على أنقاض أهلها. قد يختلف أبناء الوطن، وقد يتخاصمون، وقد يخطئون في حق بعضهم بعضًا، لكن الوطن يبقى البيت الذي لا يليق بأحد أن يستدعي الغرباء لهدمه ثم يقف فوق أنقاضه منتظرًا منهم أن يمنحوه التاج.

وما أقسى أن يكتشف المرء، بعد فوات الأوان، أن الذين ظنهم طريقًا إلى المجد كانوا الطريق إلى سقوطه، وأن الذين ظن أنهم سيعيدونه سيدًا في وطنه لم يروا فيه إلا أداةً مؤقتة، فإذا انتهت حاجتهم إليه، تركوه وحيدًا أمام أطلال وطنه، وأمام تاريخ لا يرحم.

إن الوطن قد يغفر لابنه خطأه، وقد يفتح له باب الرجوع، وقد يحتمل منه الغضب والعتاب والاختلاف؛ أما أن يجعل المرء من خلافه مع أهله ذريعة لهدم وطنه، فليست تلك قوة ولا شجاعة، بل سقطة قد لا يمحوها زمن.

وكم من قطّ ظن أن الكلاب ستصنع له وطنًا، فلما انقشع غبار الوهم، لم يجد وطنًا، ولا كرامةً، ولا حتى الكلاب التي وعدته بالمجد!

فاعتبروا يا أولي الأبصار...

جنوبيات
أخبار مماثلة