في بلدٍ يتنفس التسويات المؤقتة والمعقدة وتُدار أزماته بـ «التجاذب» السياسي اليومي، يُطرح اسم رئيس الحكومة نواف سلام في السراي الكبير سؤالاً أساسياً: هل يمكن للقانون أن يحكم السياسة في لبنان؟
الرجل لا ينتمي إلى نادي «الزعامة» بمفهومها اللبناني التقليدي.
صحيح أنه يخرج من رحم بيوت بيروتية لها تاريخها الكبير في الدولة، لكنه لم يمر عبر دهاليز الأحزاب ولا عبر شبكات النفوذ والزبائنية.
خريج السوربون وهارفارد اختار مساراً مختلفاً؛ بَنَى حضوره أستاذاً ومفكراً دستورياً، قبل أن ينتقل إلى خوض المعارك الدبلوماسية المهمة في نيويورك ممثلاً للبنان في مجلس الأمن، وصولاً إلى انتزاعه مطرقة الرئاسة في أعلى هيئة قضائية في الأمم المتحدة: محكمة العدل الدولية.
هذه الخلفية بالذات هي المفتاح لأسلوبه.
نواف سلام ينظُر إلى الدولة بعين القاضي لا بعين السياسي.
يفضل النص الدستوري على المناورة، والهدوء على الخطاب المهرجاني الشعبوي.
ولا يحبذ اللعب على الحبال السياسية.
غير أن هذا الأسلوب بالذات يخلق إرباكاً في المشهد المحلي؛ فالشارع المعتاد على «السياسي البطل» يجد نفسه أمام رجل دولة يزن كلماته بميزان الذهب، ويؤمن بأن المؤسسات تُبنى بالتراكم والهدوء، لا بالقرارات الانفعالية غير المحسوبة العواقب.
لكن أفكاره الكبيرة تلك تصطدم بجدار صلب في الواقع اللبناني.
تركة الانهيار المالي منذ أواخر 2019، وإدارة مشلولة، واقتصاد محطم، تترافق مع أعقد الملفات وأكثرها حساسية: حصر السلاح بيد الدولة.
هنا تحديداً، لا يحمل سلام عصاً سحرية؛ فهو يقارب الملف من بوابة الدستور والسيادة الصافية، مدركاً في الوقت نفسه أن قرار الحرب والسلم يحتاج توافقاً وطنياً وعمقاً إقليمياً، لا مجرد قفز في المجهول المظلم المدمِّر..
قد يأخذ عليه البعض أن نتائج حكومته تأتي بطيئة ولا تجاري سقف التوقعات الضاغط، أو أن لغته الدبلوماسية الرصينة تبدو أحياناً غريبة عن رادار المشهد اللبناني الصاخب.
وهذا نقد ربما يكون في محله، فالتاريخ لا يحاكم النيات بل الأرقام والنتائج.
لكن يحسب للرجل أنه أعاد طرح تجربة نادرة: أن الشرعية في الحكم قد تُستمد من الكفاءة والنزاهة والاحترام الدولي، وليس فقط من المحاصصة الحزبية.
في النهاية، لن يستطيع رجل واحد مهما بلغت أهميته الأكاديمية والقضائية أن ينتشل دولته من أزمات بنيوية تراكمت لثلاثين عاماً.
لكن قيمة تجربة نواف سلام تكمن في مكان آخر: في محاولة إعادة الاعتبار لـ «مفهوم الدولة» وهيبتها.
نجاحه لن يُقاس بإنقاذ البلد كسحر ساحر، بل بمدى قدرته على ترسيخ سابقة تقول إن القانون، حتى في لبنان، يمكن أن يكون خياراً للحكم وليس مجرد وجهة نظر.
كثر مَن يشهدون أن نواف سلام رجل وطني شريف، ونظيف الكف والقلب، يسعى بكل جهده لإنقاذ بلده المنهك من براثن الفساد والمفسدين، ومن التبعية للخارج، وهو يحاول جاهداً أن يكرس قاعدة ذهبية: أن الولاء يجب أن يكون للبنان فقط لا غير، وإبعاد شبح الولاءات الخارجية الهدَّامة.