25 صفر 1448

الموافق

الإثنين 10-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "أمانة المجالس"!
"أمانة المجالس"!
القاضي م جمال الحلو
2026-08-10
"أمانة المجالس"!

من المعروف منذ القِدَم أنّ المجالس أمانات، والبيوت أسرار، وأنّ خفايا الأحاديث لا يعلم بها إلّا أصحابها؛ احترامًا للخصوصيّة، وصونًا للكرامة، وحفاظًا على حرمة السرّيّة التي تُبنى عليها الثقة بين الناس.

أمّا في هذه الأيّام العِجاف، فقد انتشرت ظاهرة مؤسفة يمكن تسميتها خيانة المجالس، واتّخذت مظاهر شتّى، لعلّ أبرزها أن تجد أحدهم يجالسك ويحادثك، فإذا به يصوّرك خفيةً، أو يسجّل حديثك من دون علمك أو إذنك.

ومنهم من يكلّمك هاتفيًّا، فيعمد إلى تسجيل مكالمتك من دون علمك أو موافقتك، وكأنّ الكلام الذي ائتمنته عليه قد أصبح مادةً قابلةً للحفظ والتداول.

ومنهم من ترسل إليه رسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مكتوبةً كانت أم صوتيّة، فتراه يعيد إرسالها إلى آخرين، أو يتداولها عبر وسائل التواصل من دون استئذانك، متناسيًا أنّ ما أرسلته إليه إنّما أرسلته في إطار الثقة، لا في إطار الإذن بالنشر أو التداول.

ومنهم من يتحدّث معك هاتفيًّا، ثم يفتح مكبّر الصوت (Speakerphone) من دون علمك، ليسمع مَن بجواره كلامك الذي قد يتضمّن أسرارًا وخصوصيّات، أو يتناول أمورًا لا يجوز أن يطّلع عليها سواكما. وقد يكون في ذلك، أحيانًا، سعيٌ إلى الإيقاع بينك وبين بعض الأشخاص، وإثارة الفتنة، ونقل الكلام على نحوٍ يفسد ما بين الناس من مودة وثقة، فيغدو صاحب هذا الفعل بمنزلة الساعي بالنميمة، والمفرّط في أمانة المجالسة.

وليس الأمر مجرّد مخالفة لآداب الحديث، بل هو قبل ذلك انتهاك لمعنى الأمانة؛ فالذي يأتمنك على حديثه لا يمنحك حقّ نشره، والذي يرسل إليك رسالته لا يهبك حقّ توزيعها، والذي يحدّثك بسرّه لا يجعلك صاحبًا له، بل مؤتمنًا عليه.

وقد ورد في الأقوال المأثورة: «المجالس بالأمانات»، وقيل أيضًا: «لا يدخل الجنّة نمّام».

ولعلّ أخطر ما في هذه الظاهرة أنّها لا تكتفي بإفشاء السرّ، بل تهدم شيئًا أعمق منه: الثقة. فإذا فقد الإنسان ثقته بمن يجالسه، أصبح متحفّظًا في كلامه، متوجّسًا من حديثه، حذرًا من كلماته، حتى في المواضع التي يفترض أن يجد فيها الأمان والطمأنينة. وهكذا تتحوّل المجالس، التي كانت موطنًا للبوح والمودّة، إلى أماكن يسكنها الشكّ والحذر.

إنّ الكلمة التي تُقال في مجلس قد تنتهي بانتهاء المجلس، أمّا إذا خرجت منه بغير إذن صاحبها، فقد لا يعرف أحد أين تنتهي، ولا كم قلبًا تؤذي، ولا كم علاقةً تفسد، ولا كم سوء فهمٍ تزرع. ولذلك فإنّ حفظ السرّ ليس مجرّد صمت، بل هو موقف أخلاقي، ووفاءٌ للثقة، واحترامٌ لإنسانية الآخر وحقّه في الخصوصيّة.

وقد لا يكلّف حفظ الأمانة أكثر من لحظة صمت، أو سؤال بسيط: هل تسمح لي أن أسجّل؟ هل تسمح لي أن أنقل؟ هل تسمح لي أن أشارك؟ فإن أذن صاحب الكلام، انتفت الشبهة، وإن لم يأذن، كان الامتناع هو عين الأدب والوفاء.

فليس كل ما نعرفه يُقال، وليس كل ما يُقال يُنقل، وليس كل ما يصل إلينا يصبح حقًّا لنا في نشره. فالسرّ أمانة، والمجلس عهد، والثقة مسؤولية؛ ومن حفظ أسرار الناس حفظ الناس له قدره، ومن استباحها أضاع ثقةً قد لا تُستعاد.

فاتّقوا الله في أنفسكم وفي مَن يجالسكم، واحفظوا للمجالس حرمتها، وللبيوت أسرارها، وللكلمة عهدها.

فما أجمل أن يخرج الناس من مجالسنا وهم مطمئنون إلى أنّ ما قالوه بقي حيث قيل، وما ائتمنوا عليه لم يتحوّل إلى حديثٍ في مجلسٍ آخر.

إنّها دعوة إلى حفظ أمانة المجالس وأسرار البيوت؛ لأنّ المجتمع الذي تُصان فيه الأسرار، تُصان فيه الثقة، وحيث تُصان الثقة، تحفظ المودّة والكرامة، وتبقى للإنسان مساحةٌ آمنةٌ يكون فيها إنسانًا، لا خبرًا متداولًا بين الناس.

جنوبيات
أخبار مماثلة