26 صفر 1448

الموافق

الثلاثاء 11-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم الثمن المؤجّل.. كيف تتحوّل مكاسب الحرب إلى خسائر استراتيجية؟
الثمن المؤجّل.. كيف تتحوّل مكاسب الحرب إلى خسائر استراتيجية؟
د. عبد الرحيم جاموس
2026-08-11
الثمن المؤجّل.. كيف تتحوّل مكاسب الحرب إلى خسائر استراتيجية؟

استوقفني مقال الصديق والكاتب السياسي د. عبد المجيد سويلم، المنشور في جريدة «الأيام» تحت عنوان «الثمن: متى وكيف ستدفعه دولة الاحتلال؟»، بما يطرحه من سؤال يتجاوز الحسابات المباشرة للحرب إلى ما يمكن أن تتركه من أثمان استراتيجية وسياسية على دولة الاحتلال ومستقبل مشروعها.
وإذا كان سويلم قد أثار سؤال «الثمن»، فإن هذه القراءة تحاول أن تذهب به خطوة أخرى: ما طبيعة هذا الثمن؟ وأين يمكن أن يظهر؟ ومتى تتحول المكاسب العسكرية الآنية إلى كلفة استراتيجية بعيدة المدى؟
وهي ليست محاولة للإجابة عن مقال سويلم بقدر ما هي مواصلة للحوار الفكري الذي فتحه، وتوسيع للزاوية الفلسطينية في قراءة مآلات الحرب، بعيدًا عن الأمنيات أو التنبؤات القطعية.
ليس السؤال الحقيقي اليوم: هل حققت دولة الاحتلال تفوقًا عسكريًا في حربها الطويلة على الشعب الفلسطيني؟ فالتفوق العسكري، مهما بلغ، لا يساوي بالضرورة انتصارًا سياسيًا، ولا يستطيع وحده أن يصنع أمنًا دائمًا أو يفرض سلامًا قابلًا للحياة.
السؤال الأهم هو: ماذا سيبقى من أهداف هذه الحرب بعد أن تهدأ أصوات المدافع؟ وما الثمن الذي ستدفعه دولة الاحتلال عندما تتحول نتائج الحرب من مكاسب ميدانية مؤقتة إلى استحقاقات سياسية واستراتيجية وتاريخية؟
من فائض القوة إلى عجز السياسة
لا خلاف على أن التفوق العسكري الإسرائيلي هائل، مدعومًا بتكنولوجيا متقدمة وبمساندة أميركية وغربية واسعة. وقد مكّن ذلك دولة الاحتلال من إيقاع دمار هائل في قطاع غزة، وتكبيد الشعب الفلسطيني خسائر بشرية ومادية لا توصف.
لكن السؤال الذي لا تجيب عنه القوة العسكرية هو: ماذا بعد؟
يمكن تدمير المدن واستهداف البنية التحتية واحتلال الأرض ومحاصرة السكان، لكن لا يمكن بالقوة وحدها إلغاء شعب أو محو هويته أو إسقاط حقه في الحرية وتقرير المصير.
وهنا تكمن المفارقة: كلما ازداد الاعتماد على القوة لحسم قضية سياسية، ازدادت الحاجة إلى حل سياسي لم تعد القوة قادرة على إنتاجه.
لقد أثبتت التجربة أن هزيمة بنية عسكرية لا تعني بالضرورة هزيمة القضية التي أنتجتها. 
فالمقاومة، مهما اختلفت أشكالها وأدواتها، ليست ظاهرة عسكرية منفصلة عن واقع الاحتلال والاستيطان وإنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية.
ولذلك فإن محاولة القضاء على نتائج الصراع دون معالجة أسبابه تعني، في أحسن الأحوال، تأجيل الانفجار المقبل.
سقوط احتكار الرواية :
لعل أحد أهم التحولات التي أنتجتها الحرب أنها أحدثت شرخًا عميقًا في الرواية التي سادت لعقود في قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي.
فقد أصبح السؤال عن الاحتلال والاستيطان وحقوق الشعب الفلسطيني أكثر حضورًا في النقاش الدولي، فيما اتسعت الفجوة بين صورة دولة الاحتلال عن نفسها وبين الصورة التي باتت تتشكل عنها لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، ولا سيما بين الأجيال الشابة.
وهذه ليست مسألة إعلامية عابرة.
فالدول لا تعيش بالقوة وحدها؛ إنها تحتاج إلى شرعية سياسية وأخلاقية، وإلى شبكة من العلاقات والتحالفات والقبول الدولي. وعندما يصبح الدفاع عن سياساتها أكثر كلفة على حلفائها، وتتحول أفعالها إلى مصدر أزمة سياسية وأخلاقية لهم، فإن ذلك يتحول تدريجيًا إلى ثمن استراتيجي.
فلسطين ليست هامشًا في المعادلة الإقليمية :
بنت دولة الاحتلال، خلال السنوات الماضية، جزءًا من استراتيجيتها على افتراض أن بالإمكان تجاوز القضية الفلسطينية، وإعادة ترتيب الشرق الأوسط عبر التطبيع والتحالفات الأمنية والاقتصادية، وكأن فلسطين يمكن أن تصبح ملفًا ثانويًا.
لكن الحرب أعادت القضية الفلسطينية إلى قلب الإقليم والعالم.
فلا يمكن بناء شرق أوسط مستقر فوق أرض محتلة، ولا إقامة ترتيبات أمنية دائمة مع تجاهل شعب محروم من حقوقه الوطنية.
وقد يكون هذا أحد أهم دروس الحرب: كل محاولة لتهميش القضية الفلسطينية لا تلغيها؛ وإنما تؤجل انفجارها وتزيد كلفتها.
ومن هنا فإن استمرار الاستيطان والضم والتهجير ومحاولات فرض الأمر الواقع لا يقود إلى الأمن، بل يراكم أسباب عدم الاستقرار، ويجعل أي تسوية مستقبلية أكثر صعوبة وكلفة.
الثمن الإقليمي :
كان الرهان على أن تتحول دولة الاحتلال إلى مركز أمني واقتصادي في الشرق الأوسط، وأن تصبح علاقاتها مع بعض الدول العربية مدخلًا إلى منظومة إقليمية جديدة.
لكن استمرار الحرب، وحجم المأساة الإنسانية في غزة، والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، كلها عوامل تجعل استمرار هذا المسار أكثر تعقيدًا.
فالمنطقة العربية والإسلامية لا تستطيع تجاهل فلسطين إلى ما لا نهاية، كما أن الشعوب العربية، مهما اختلفت الحكومات في حساباتها، لا تزال ترى في القضية الفلسطينية قضية مركزية.
وهكذا قد تتحول الحرب، بدل أن تكرّس الهيمنة الإسرائيلية، إلى عامل يدفع المنطقة نحو إعادة تعريف منظومة الأمن والتحالفات وموازين القوة.
الثمن الداخلي :
هناك ثمن آخر لا يقل أهمية: الثمن الذي يدفعه المجتمع الإسرائيلي نفسه.
فالحرب الطويلة تستنزف الاقتصاد، وتضغط على الجيش، وتعمق الاستقطاب السياسي، وتضع المجتمع أمام سؤال وجودي: ما الهدف النهائي؟
إذا كانت الحرب لا تنتهي بانتصار سياسي، وإذا لم تنتج تسوية أو أمنًا دائمًا، وإذا بقيت جبهة الضفة الغربية مفتوحة، وتهديدات الإقليم قائمة، فما معنى الانتصار؟
إن استمرار الحرب بلا أفق سياسي يمكن أن يحوّل الخلاف من سؤال «كيف ننتصر؟» إلى سؤال أكثر خطورة: إلى أين نمضي؟
وهنا قد يبدأ التناقض بين المؤسسة العسكرية والسياسية، وبين أهداف الحرب وكلفتها، وبين الرغبة في استمرارها والحاجة إلى إنهائها.
الثمن القانوني والدولي :
ثمة تحول آخر لا ينبغي تجاهله: انتقال القضية الفلسطينية تدريجيًا من كونها مجرد نزاع سياسي قابل للتأجيل إلى كونها قضية حقوق وقانون ومساءلة دولية.
وكلما تراكمت الملفات المتعلقة بالاحتلال والاستيطان والانتهاكات، ازدادت القيود المحتملة على الحركة السياسية والدبلوماسية والعسكرية لدولة الاحتلال وقادتها.
وقد لا تكون هذه الفاتورة فورية، لكنها قد تصبح أكثر وضوحًا مع مرور الوقت.
فالتاريخ لا يحاسب الدول فقط على ما فعلته في لحظة القوة، وإنما على الأثر الذي تركته أفعالها في النظام الدولي وفي الوعي الإنساني.
متى يبدأ دفع الثمن؟
لا توجد لحظة واحدة يمكن أن نقول عندها: بدأت دولة الاحتلال دفع الفاتورة.
الثمن الاستراتيجي لا يأتي في شكل شيك واحد، بل يتراكم:
في تآكل الشرعية، وفي تغير الرأي العام، وفي ارتفاع كلفة الحرب، وفي إعادة تشكيل التحالفات، وفي اتساع الفجوة مع قطاعات من الحلفاء، وفي تعاظم عزلة المشروع الاستيطاني، وفي عودة فلسطين إلى مركز الأجندة الدولية.
وقد لا تكون كل هذه التحولات حاسمة اليوم، لكنها تصبح ذات دلالة عندما تتراكم وتتفاعل معًا.
وهنا ينبغي الحذر من قراءة التاريخ بعقلية الأمنيات. فدولة الاحتلال ما زالت تملك قدرات عسكرية واقتصادية وتحالفات دولية كبيرة، ولا يجوز افتراض أن انهيارها أو هزيمتها الشاملة أمر قريب أو محتوم.
لكن في المقابل، لا يجوز أيضًا اختزال القوة العسكرية في مفهوم «النصر».
فالقوة تستطيع أن تكسب معركة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تنتج شرعية. وتستطيع احتلال الأرض، لكنها لا تستطيع أن تمنح الاحتلال مشروعية. وتستطيع تدمير المدن، لكنها لا تستطيع تدمير الذاكرة والهوية والحق.
وهنا يكمن جوهر المسألة.
إن الثمن الحقيقي الذي قد تواجهه دولة الاحتلال ليس مجرد خسارة عسكرية في هذه الحرب أو تلك، وإنما اكتشاف أن فائض القوة لم ينتج الأمن، وأن الاحتلال لم ينتج السلام، وأن الاستيطان لم ينتج الاستقرار، وأن الحرب لم تستطع إلغاء فلسطين.
والبديل ليس حربًا لا تنتهي، ولا انتقامًا متبادلًا، وإنما الخروج من منطق القوة الأحادية إلى منطق العدالة والشراكة السياسية.
إن الطريق إلى الأمن الإسرائيلي يمر، شئنا أم أبينا، عبر الأمن الفلسطيني؛ والطريق إلى الاستقرار الإقليمي يمر عبر إنهاء الاحتلال؛ والطريق إلى السلام يمر عبر الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في العودة الحرية والمساواة  والاستقلال وتقرير المصير.
وعندها فقط يمكن أن يتحول «الثمن» من فاتورة حرب مفتوحة إلى كلفة تاريخية لسلام عادل.
ولعل السؤال الذي طرحه د. عبد المجيد سويلم عن «الثمن» يستحق أن يبقى مفتوحًا؛ فالأثمان الكبرى لا تظهر دائمًا في لحظة الحرب، وإنما قد تبدأ بالظهور عندما تنتهي الحرب ويبدأ حساب التاريخ.
أما الاستمرار في الاعتقاد بأن القوة قادرة على تأجيل الحل إلى الأبد، فقد يكون هو الثمن الأكبر الذي ستكتشف دولة الاحتلال، عاجلًا أو آجلًا، أنها تدفعه من مستقبلها.
د. عبد الرحيم جاموس
11/8/2026 م

جنوبيات
أخبار مماثلة