27 صفر 1448

الموافق

الخميس 13-08-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم احذروا الحسابات الوهمية... لا تجعلوا وسائل التواصل منصاتٍ للفتنة والتضليل
احذروا الحسابات الوهمية... لا تجعلوا وسائل التواصل منصاتٍ للفتنة والتضليل
د. عبد الرحيم جاموس
2026-08-12
احذروا الحسابات الوهمية... لا تجعلوا وسائل التواصل منصاتٍ للفتنة والتضليل

في زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي، من فيسبوك وتيك توك وغيرها، مصدراً رئيسياً للأخبار وتشكيل الرأي العام، برزت ظاهرة خطيرة تستوجب الوعي والحذر: الحسابات الوهمية والمجهولة والمضللة التي لا تستهدف الحوار أو النقد البنّاء، وإنما تسعى إلى نشر الشائعات، وزرع الشكوك، وإثارة الفتن، وتشويه سمعة الأشخاص والمؤسسات.
وتتخفى هذه الحسابات خلف أسماء وصور مستعارة، وأحياناً تنتحل أسماء أشخاص حقيقيين، وتستخدم أساليب متعددة للتأثير في المتلقي؛ من فبركة الأخبار والصور والمقاطع، إلى اجتزاء التصريحات من سياقها، وترويج معلومات مجهولة المصدر، وإعادة تدوير الشائعات حتى تبدو، لكثرة تداولها، وكأنها حقائق.
والأخطر أن بعضها لا يكتفي بالتضليل، بل يعمل على إثارة الخلافات بين الأفراد والمجتمعات، والتحريض، والتشهير، والنيل من السمعة والكرامة، وتحويل الاختلاف الطبيعي في الرأي إلى خصومة وعداء.
ولا ينبغي أن نغفل أن وراء بعض هذه الحسابات أشخاصاً أو جهات قد تكون لها مصالح أو أجندات محددة، وقد تستخدم الجيوش الإلكترونية والحسابات الوهمية للتأثير في الرأي العام أو توجيهه. لذلك، فإن التعامل مع المحتوى الرقمي يحتاج إلى قدر أكبر من الوعي والمسؤولية، لا إلى سرعة التفاعل والانفعال.
لكن المسؤولية لا تقع على أصحاب الحسابات المضللة وحدهم؛ فالمستخدم الذي يعيد نشر خبر لم يتحقق منه، أو يشارك مقطعاً مجهول المصدر، أو ينقل اتهاماً بلا دليل، قد يتحول، من حيث لا يدري، إلى أداة في نشر التضليل.
فلنتوقف قبل أن نضغط زر «مشاركة»، ولنسأل دائماً: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل يمكن التحقق منها من مصادر موثوقة؟ وهل نُقلت كاملة أم جرى اجتزاؤها من سياقها؟ وهل الحساب الذي ينشرها معروف وموثوق أم مجهول وحديث الإنشاء؟
ومن المهم بصورة خاصة الحذر من الحسابات التي تجعل مهمتها الأساسية مهاجمة الأشخاص، وتوزيع الاتهامات، وإثارة الأحقاد، ونشر المعلومات الشخصية، واستثارة الغرائز والانفعالات. فهذه ليست ممارسة للنقد أو حرية التعبير، وإنما قد تكون محاولة متعمدة للتأثير والتضليل.
إن حرية التعبير حق أصيل، والنقد حق مشروع، والاختلاف في الرأي ظاهرة صحية، لكن الحرية لا تعني الكذب، والنقد لا يعني التشهير، والاختلاف لا يبرر التحريض، ووسائل التواصل ليست ساحة مفتوحة لانتهاك كرامة الناس أو نشر الاتهامات دون بينة.
والتعامل مع الحسابات الوهمية لا يكون بالانجرار إلى سجالاتها أو منحها مزيداً من الانتشار، بل بعدم إعادة نشر محتواها، وعدم التفاعل مع الاستفزاز، والتحقق من المعلومات، واستخدام أدوات الإبلاغ المتاحة لدى المنصات عندما يكون المحتوى مضللاً أو منتحلاً أو مسيئاً.
إننا بحاجة اليوم إلى ثقافة رقمية مسؤولة تميز بين الخبر والرأي، وبين النقد والتشهير، وبين المعلومة والشائعة، وتدرك أن كثرة تداول المعلومة لا تجعلها صحيحة، وأن سرعة انتشار الخبر لا تعني صحة مصدره.
فالكلمة التي تُكتب في ثوانٍ قد تسيء إلى إنسان، أو تزرع فتنة بين الناس، أو تشوه حقيقة، أو تؤثر في الرأي العام، وقد يكون تصحيح آثارها أصعب بكثير من نشرها.
فلنحذر من أن تتحول هواتفنا إلى أدوات لنشر الفتنة، وحساباتنا إلى منصات لترويج الأكاذيب.
تحقّق قبل أن تنشر، وفكّر قبل أن تتفاعل، واحترم كرامة الآخرين، ولا تجعل من نفسك أداة في يد حساب مجهول.
ففي الفضاء الرقمي، كما في الحياة، ليست كل كلمة حقيقة، وليس كل حساب صاحبه من يزعم أنه، وليس كل ما ينتشر يستحق أن يُصدَّق أو يُعاد نشره.
المسؤولية الرقمية تبدأ من كل واحدٍ منا.

جنوبيات
أخبار مماثلة