28 صفر 1448

الموافق

الخميس 13-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة إمبراطورية الولايات المتحدة والحروب: قرن من القوَّة بين شعارات الديمقراطية وحسابات المصالح
إمبراطورية الولايات المتحدة والحروب: قرن من القوَّة بين شعارات الديمقراطية وحسابات المصالح
البروفسور ميشال فريد الخوري
2026-08-13
إمبراطورية الولايات المتحدة والحروب: قرن من القوَّة بين شعارات الديمقراطية وحسابات المصالح

 

مثل روما التي كانت ترسل جيوشها عبر البحار لفرض سلطتها، وبيزنطة التي جعلت من التحالفات والحروب أدوات لحماية موقعها وتوسيع نفوذها، تقوم الولايات المتحدة في هذا العصر بدور الإمبراطورية الحديثة من دون الإعلان عن ذلك. من الخنادق الأوروبية في الحرب العالمية الأولى، إلى محاربة النازية وإبادة هيروشيما في الحرب العالمية الثانية، ومن وديان كوريا إلى أدغال فيتنام وغواتيمالا، ومن البوسنة وكوسوفو إلى صحارى العراق وأفغانستان وليبيا حتى مواجهة إيران اليوم، جاءت تدخلات واشنطن كقوة ترى أمن العالم امتداداً لأمنها، وسيادة الدول خاضعة لحساباتها. وبين رايات الحرية ومصالح الهيمنة، وبين حماية القانون الدولي وتطويعه، بنت إمبراطوريتها لا عبر احتلال الأراضي وضمّها، بل بالتفوّق التكنولوجي وبالقواعد العسكرية والأساطيل والعقوبات والدولار والتحالفات، حتى أصبحت تدخلاتها تعيد تشكيل موازين القوى كلما تحركت قوّاتها.

منذ دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، تطورت القوة الأمريكية استراتيجياً مع توسع انتشار قواعدها وأساطيلها وتحالفاتها عالمياً. على مدى قرن، استند التدخل العسكري الأمريكي إلى مبررات مختلفة، شملت الدفاع عن النفس، وحماية الحلفاء، وردع الخصوم، وتعزيز الديمقراطية، وتأمين طرق التجارة والطاقة، ومكافحة الإرهاب، وتغيير الأنظمة أحياناً. لذلك، لا يمكن فهم تاريخ الحروب الأمريكية إلا على أنه صراع مستمر بين المبادئ والمصالح، وبين الشرعية والقوة، وبين طموح تشكيل نظام عالمي جديد يخضع لنفوذها وخوف فقدان السيطرة عليه.


الحرب العالمية الأولى: في نيسان 1917، انضمت الولايات المتحدة إلى الحرب العالمية الأولى بعد أن استأنفت ألمانيا حرب الغواصات، مما شكّل تهديداً للمصالح الأمريكية. قدم الرئيس وودرو ويلسون الحرب للشعب الأمريكي كصراع أخلاقي يهدف للدفاع عن السلام والعدالة وتعزيز الديمقراطية عالمياً. ضمن «النقاط الأربع عشرة»، دعا ويلسون إلى نظام قائم على حق الشعوب في تقرير المصير، وحرية الملاحة، والدبلوماسية العلنية، وإنشاء عصبة الأمم. شكل هذا الطرح بداية لاستخدام القوة الأمريكية استناداً إلى مبادئ نبيلة، إلا أن رفض مجلس الشيوخ الأمريكي انضمام الولايات المتحدة إلى عصبة الأمم، أوضح التباين بين مبادئ ويلسون والنزعة الأمريكية إلى تجنب التدخّلات الخارجية.

الحرب العالمية الثانية: بينما كان الأميركيون ينعزلون عن الخارج بين الحربين العالميتين، كانت الشيوعية تتمدد، وهتلر يصعد بقوة في أوروبا، لكن الحرب الثانية كشفت أن بُعد القارة الأميركية عن الصراع لم يعد كافياً لضمان حمايتها. فقد قدمت واشنطن دعماً للحلفاء قبل الدخول الرسمي في الحرب من خلال برنامج الإعارة والتأجير، ثم أدّى الهجوم الياباني على بيرل هاربر في ديسمبر 1941 إلى دخول أميركا الحرب. وبعد القنبلتين النوويتين على اليابان وانتهاء الحرب، برزت الولايات المتحدة كقوة اقتصادية وعسكرية مهيمنة، ولعبت دوراً محورياً في تأسيس الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية، فضلاً عن مساهمتها في إعادة إعمار أوروبا واليابان. ومنذ ذلك الحين، اصبحت القوة العسكرية الأمريكية جزءاً من منظومة أوسع شملت الدولار، والأسواق العالمية، والتحالفات العسكرية، والقواعد الخارجية، والمؤسسات الدولية.


الحرب الباردة: مع بدايتها، تبنت السياسة الأميركية مبدأ «الاحتواء» عقيدة أساسية. أعلن ترومان في عام 1947 استعداد الولايات المتحدة لدعم الدول المهددة بالتمدّد الشيوعي. في عام 1950، قادت الولايات المتحدة جهود الأمم المتحدة في كوريا لصد هجوم كوريا الشمالية، والذي أسس لوجود عسكري أمريكي دائم في شرق آسيا. لم يقتصر الاحتواء على الحروب المفتوحة، بل شمل أيضاً عمليات سرية وانقلابات ودعم أنظمة حليفة. في عام 1953، شاركت أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية في الإطاحة بحكومة محمد مصدق في إيران وإعادة الشاه إلى السلطة. كما دعمت وكالة الاستخبارات المركزية إسقاط حكومة جاكوبو أربينز المنتخبة في غواتيمالا عام 1954. ورغم أن الذريعة كانت منع الانتشار الشيوعي، إلا أن هذه العمليات كشفت عن ازدواجية الموقف الأمريكي من الديمقراطية، لأن نتائج الانتخابات لم تتوافق مع المصالح الأمريكية.

بلغت استراتيجية الاحتواء ذروة التطبيق في فيتنام، حيث افترضت واشنطن أن سقوط دولة واحدة في قبضة الشيوعية سيؤدي تلقائياً إلى سقوط الدول المجاورة. ومع ذلك، لم تُترجم القدرات الجوية والتكنولوجية المتفوقة إلى نصر سياسي. شكّل هجوم قوات فيتنام الشمالية، ما عُرِف بهجوم «تيت»، عام 1968 نقطة تحول، أدى إلى تآكل ثقة الأميركيين بقيادتهم. امتدت العمليات العسكرية الى كمبوديا، قبل الانسحاب الأمريكي وانهيار حكومة فيتنام الجنوبية عام 1975. أثبتت حرب فيتنام أن القوة العسكرية قد تحقق أهدافًا وتحتل أراضٍ، لكنها تعجز عن إعادة تشكيل مجتمع لا تُفهم جذوره التاريخية وبنيته السياسية.


في أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979 واحتجاز الرهائن الأميركيين، أصبح الخليج محوراً استراتيجياً للولايات المتحدة؛ إذ أعلن الرئيس جيمي كارتر أن أي محاولة للسيطرة على الخليج ستُعتبر تهديداً للمصالح الأميركية. وخلال الحرب الإيرانية-العراقية، تدخلت القوات الأميركية لحماية الملاحة وناقلات النفط، كما دعمت توازن القوى ومنعت كلاً من إيران والعراق من فرض هيمنةً مطلقة. ومنذ ذلك الحين، ارتبط الأمن الأمريكي بأمن الطاقة وممرات الشحن البحري، ولا سيما مضيق هرمز؛ وتحول الخليج إلى ساحة لوجود عسكري أميركي دائم.

ما بعد الحرب الباردة: بعد سقوط جدار برلين في نوفمبر 1989، وانهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية الحرب الباردة، غزا صدام حسين الكويت عام 1990؛ ففرض مجلس الأمن عقوباتٍ وأذن باستخدام القوة لطرد القوات العراقية. شكّلت واشنطن تحالفاً من الدول الغربية والعربية، وحددت هدفاً عسكرياً واضحاً، وأنهت العمليات البرية بتحرير الكويت. وفي البوسنة، ولاحقاً في كوسوفو، استخدم حلف الناتو القوة لوقف العنف والتهجير، إلا أن التدخل في كوسوفو عام 1999، وإن عُدّ مشروعاً أخلاقياً يهدف إلى حماية المدنيين، بقي موضع خلاف لأنه جرى من دون تفويض من مجلس الأمن.

شكلت هجمات 11 أيلول 2001 نقطة مفصلية في تاريخ الولايات المتحدة، وأعادت تعريف مفهوم التهديد الذي يطال أراضيها؛ فغزت بعدها أفغانستان للإطاحة بنظام طالبان وتفكيك تنظيم القاعدة، وذلك في ظل إقرار مجلس الأمن بالحق في الدفاع عن النفس. غير أن المهمة تحولت من قتال تنظيم مسلح إلى بناء دولة ومؤسسات وجيش جديد، واستمرت تلك الجهود لعشرين عاماً قبل أن تعود حركة طالبان إلى السلطة في عام 2021. أما غزو العراق عام 2003 فقد كان أكثر إثارةً للجدل لأنه استند إلى مزاعم بامتلاك العراق أسلحة دمار شامل لم تثبت صحتها لاحقاً، كما بدأ من دون تفويض من مجلس الأمن. وقد أدى إسقاط النظام العراقي إلى انهيار مؤسسات الدولة، وتصاعد التمرد والعنف الطائفي، وتعزيز النفوذ الإيراني؛ أي أن الحرب التي هدفت إلى تغيير موازين القوى في المنطقة أسهمت في استحصال نتائج معاكسة. وفي ليبيا عام 2011، منح مجلس الأمن الضوء الأخضر لاتخاذ «كافة التدابير اللازمة» لحماية المدنيين. غير أن العملية أفضت في نهاية المطاف إلى سقوط نظام معمر القذافي، وما تلا ذلك من سنوات اتسمت بالانقسام والاضطرابات والفوضى. وقد أثار ذلك سؤالاً جوهرياً: هل يمنح تفويض مجلس الأمن بحماية المدنيين صلاحية تغيير النظام؟ ومن يتحمل مسؤولية الفوضى والعنف بعد إسقاط الحاكم؟


أما اليوم، فتأتي الحرب الأميركية–الإيرانية كأحدث حلقات هذا التاريخ؛ إذ بدأت الضربات الأميركية والإسرائيلية على الأراضي الإيرانية في 28 شباط 2026 بعد موافقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على العملية، واتسعت رقعة المواجهة لتشمل المنشآت العسكرية والصاروخية الإيرانية، والقواعد الأميركية في دول الخليج، وحلفاء الطرفين. وبعد نحو خمسة أشهر من حرب متقطعة تخللتها فترات من التصعيد والتهدئة، أعلنت واشنطن في 2 آب تعليق ضربة جديدة كانت مقرّرة، وذلك في إطار مساعٍ للتوصل إلى تفاهمات بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي ووقف الهجمات الإقليمية؛ غير أن هذا الإعلان لم يشكّل اتفاق سلام، بل هدنة هشة ومساراً تفاوضياً يجري تحت ضغط السلاح والتهديد.

من المنظور الفلسفي: فقد رأى توماس هوبز أن الأمن يستلزم وجود سلطة قادرة على احتكار القوة، وهو ما يفسر سعي الولايات المتحدة نحو الهيمنة وأداء دور ليفياثان العالم. في المقابل، ربط إيمانويل كانط السلام ارتباطاً وثيقاً بالشرعية القانونية والمؤسسات. أما الواقعيون، بدءاً من ثوسيديدس وصولاً إلى المفكرين المعاصرين المنتمين إلى مدرسة «توازن القوى» مثل هانس مورغنثاو وكينيث والتز، فيجادلون بأن القوى العظمى تسعى أولاً إلى ضمان بقائها وترسيخ تفوقها، ثم تحاول صياغة مصالحها في قالب أخلاقي. وهكذا، باسم الحرية والديمقراطية والسلام العالمي يتم السيطرة على النفط والأمن والموارد ولكن على مستويات مختلفة.

في النهاية، ومنذ الحرب العالمية الأولى حتى المواجهة مع إيران، تحوّلت الولايات المتحدة من قوة مترددة في التدخل الخارجي إلى دولة ذات حضور عسكري شبه دائم. أسهمت في هزيمة النازية، وإسقاط الاتحاد السوفياتي، وحماية دول من الغزو، وتأمين طرق التجارة، لكنها دعمت أيضاً انقلابات، وخاضت حروباً طويلة، وأسقطت أنظمة من دون أن تملك تصوراً واضحاً لليوم التالي. وقد نجحت أكثر حين استندت إلى شرعية دولية، وهدف محدد، وتحالف واسع، وخطة  سياسية لمرحلة ما بعد الحرب. أما عندما تدخّلت لإعادة تشكيل المجتمعات بالقوة، فقد تحوّل التفوق العسكري إلى بداية لاستنزاف طويل وفوضى يصعب ضبطها.

لم تكن الحروب الأميركية في التاريخ الحديث أحداثاً منفصلة، بل محطات متتابعة في بناء ما سُمّي «النظام العالمي الجديد». وفي هذا النظام، لم تتصرف الولايات المتحدة كدولة عادية بين دول، بل كإمبراطورية تحدّد معايير الشرعية، وتوزع أدوار الحلفاء والخصوم، وتستبدل احتلال الأرض بالسيطرة على القرار، والفيالق الرومانية بالقواعد والأساطيل والتكنولوجيا، والجِزْية بالدولار والعقوبات. لكن الإمبراطوريات، من روما إلى بيزنطة وغيرها، ظنّت دائماً أن نظامها أبدي، قبل أن تكتشف أن القوة التي بَنتْ النفوذ، خلقت أيضاً مقاومة له. لذلك يبقى السؤال بعد إيران: هل يستطيع النظام العالمي الجديد أن يتحول من الهيمنة إلى الشراكة بين الأمم، أم أننا نشهد بداية سقوط الإمبراطورية الأميركية؟ فالإمبراطوريات لا تسقط فقط عندما تعجز عن خوض الحروب، بل عندما تعجز عن إقناع العالم بأن حروبها تقود إلى سلام. وإذا كان القرن العشرين قد بدأ بشعار جعل العالم آمناً للديمقراطية، فإن الامتحان اليوم هو أن تكون القوة طريقاً للتسوية والعدالة، لا وسيلة للدمار والفوضى.

جريدة اللواء
أخبار مماثلة