لم يعد السؤال في الشرق الأوسط: ماذا تريد الولايات المتحدة من المنطقة؟ بقدر ما أصبح: أي نظام إقليمي يتشكل في ظل تراجع قدرة واشنطن على إدارة المنطقة منفردة؟ ومن يمتلك القدرة على صياغة قواعده؟
لسنا أمام شرق أوسط «ما بعد أميركا» بالمعنى الحرفي؛ فالولايات المتحدة ستبقى قوة أساسية فيه، عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا. لكننا أمام شيء أكثر دقة وأهمية: شرق أوسط ما بعد الهيمنة المنفردة، يتجه نحو تعدد مراكز القوة وصناعة القرار.
تتقدم السعودية وتركيا وباكستان ومصر، وتحتفظ إيران بثقلها، بينما تحاول قوى أخرى توسيع حضورها. وفي الخلفية تتحرك الصين وروسيا، كلٌّ بأدواته ومصالحه.
وهكذا لم يعد الإقليم ينتظر قوة واحدة ترسم له مستقبله، بل بدأ يبحث عن توازنات جديدة تحمي مصالحه وتحد من ارتهانه للخارج.
ولعل الأهم أن بعض دول المنطقة بدأت تنتقل من طلب الأمن إلى المشاركة في صناعة الأمن، ومن الاعتماد الكامل على المظلة الخارجية إلى بناء ترتيبات إقليمية أكثر استقلالًا.
وهذا التحول، إذا استمر، قد يكون أحد أهم ملامح الشرق الأوسط القادم.
لكن أين تقف "إسرائيل " في هذا المشهد؟
لقد بنت "إسرائيل" جانبًا كبيرًا من قوتها الإقليمية على تفوق عسكري استثنائي، وعلى علاقة استراتيجية عميقة مع الولايات المتحدة، وعلى افتراض أن محيطها العربي سيبقى مجزأً وأن أمنها يمكن أن يُدار بمعزل عن حل القضية الفلسطينية.
غير أن هذه المعادلة لم تعد مضمونة كما كانت.
"فإسرائيل" تستطيع أن تبقى قوة عسكرية كبرى، لكنها تواجه سؤالًا أكبر من ميزان السلاح: هل تستطيع أن تكون دولة مهيمنة على الإقليم، أم أن عليها أن تصبح دولة طبيعية داخله؟
فالشرق الأوسط الذي يبحث عن توازنات جديدة لن يكون مستقرًا إذا ظل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي مفتوحًا، ولن يكون اندماج "إسرائيل" في المنطقة كاملًا ما لم يُعالج أصل الصراع: الاحتلال، والاستيطان، والقدس، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته.
وهنا تعود فلسطين إلى قلب المشهد، لا إلى هامشه.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن محاولة تجاوز القضية الفلسطينية، أو اختزالها في ملف أمني أو إنساني، لم تُنهِ الصراع ولم تُسقط القضية من الحسابات الإقليمية والدولية.
بل ربما جعلت سؤال فلسطين أكثر حضورًا في أي نقاش حول مستقبل المنطقة.
ولهذا فإن مستقبل الشرق الأوسط الجديد سيتحدد، إلى حد كبير، بكيفية التعامل مع فلسطين.
فإذا جرى بناء النظام الإقليمي الجديد على استمرار الاحتلال والضم والاستيطان، فلن يكون نظام سلام، وإنما إعادة إنتاج للصراع في صورة جديدة.
أما إذا اتجهت القوى الإقليمية والدولية إلى تسوية تاريخية تقوم على إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، فإن فلسطين يمكن أن تتحول من عقدة للصراع إلى مدخل لإعادة بناء المنطقة على أسس أكثر استقرارًا وتعاونًا.
لكن ثمة سؤالًا فلسطينيًا لا يقل أهمية عن كل ذلك:
من يكتب مستقبل فلسطين؟
هل يكتبه الفلسطينيون بإرادتهم ووحدتهم ومؤسساتهم الوطنية؟
أم تكتبه القوى الإقليمية والدولية وفق مصالحها، ثم يُطلب من الفلسطينيين قبول ما يُرسم لهم؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للقضية الفلسطينية في المرحلة المقبلة ليس فقط ضياع الأرض، وإنما ضياع القدرة على صناعة القرار الفلسطيني المستقل .
فالتحولات الكبرى تفتح فرصًا كما تخلق مخاطر ، وإذا كان الشرق الأوسط يعيد ترتيب أوراقه، فإن الفلسطينيين مطالبون أيضًا بإعادة ترتيب بيتهم الوطني، وتوحيد رؤيتهم، وتجديد مؤسساتهم وشرعيتهم، واستعادة القدرة على التحرك السياسي والدبلوماسي بوصفهم أصحاب قضية وحق، لا مجرد طرف ينتظر نتائج صراعات الآخرين.
إن الشرق الأوسط القادم لن يكون أمريكيًا خالصًا، ولا إيرانيًا، ولا تركيًا، ولا سعوديًا، ولا مصريا ، ولا "إسرائيليًا".
سيكون، على الأرجح، أكثر تعددًا في مراكز القوة وأكثر تعقيدًا في توازناته.
وفي هذا الشرق الأوسط المتغير، لن يكون السؤال فقط: من يملأ الفراغ الأمريكي؟
بل السؤال الأعمق:
من يضع قواعد النظام الجديد؟ وعلى أي أساس؟
وهنا ستكون فلسطين هي الاختبار الحقيقي.
فإذا كان النظام الجديد نظامَ قوة وهيمنة، ستبقى فلسطين جرحًا مفتوحًا في جسد المنطقة.
أما إذا كان نظامَ توازن وعدالة وسلام، فإن حل القضية الفلسطينية يمكن أن يصبح بوابة الشرق الأوسط إلى مرحلة تاريخية جديدة.
وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم:
لن يكون للفلسطينيين مستقبلٌ عادل في الشرق الأوسط الجديد إذا تركوا الآخرين يكتبونه نيابةً عنهم.
د. عبد الرحيم جاموس
16/8/2026 م