تتحكم في الجبهة الجنوبية للبنان حالياً معادلة استراتيجية دقيقة ومحسوبة يمكن صياغتها بـ «التفاوض تحت النار» ضمن إطار أوسع من «إدارة الصراع». وفي هذا المشهد الميداني المعقد، تلتقي التطورات العسكرية المتسارعة على الأرض مع الحسابات السياسية والانتخابية الضاغطة في الداخل الإسرائيلي والاستحقاقات الخارجية القادمة. وتشير المعطيات التحليلية والقراءات الاستراتيجية إلى أن إبقاء التوتر الجنوبي ممسوكاً ضمن نطاق المنطقة الرمادية، تلك المساحة الدقيقة الفاصلة بين ضبط الإيقاع الميداني وتفادي الانزلاق إلى مواجهة شاملة ومفتوحة لم يعد مجرد تكتيك عسكري تجريدي، بل تجسد عملياً في تحول مرتفعات وتلال «علي الطاهر» المشرفة على قضاء النبطية وإقليم التفاح إلى العقدة الجغرافية والتفاوضية المركزية التي تختصر صراع الإرادات وموازين القوى بين الطرفين.أخبار لبنان
•توظيف الميدان في الاستحقاقات الانتخابية
أصبح الملف اللبناني والتصعيد الموضعي المنضبط أداة رئيسية للتعبئة السياسية واستقطاب الأصوات في الداخل الإسرائيلي. وتتوزع الحسابات الأمنية والسياسية في هذا الإطار بين عدة مسارات تُسهم في صياغة القرار العسكري وتوجيهه على الجبهة الشمالية.
-المسار الأول يتمثل في استثمار الضغط العسكري واستعراض الإنجازات الأمنية الملموسة. إذ تعمد القوى السياسية والحزبية المتنافسة في تل أبيب إلى استغلال السيطرة النارية أو التقدم الميداني الموضعي نحو المرتفعات الاستراتيجية وعلى رأسها تلة علي الطاهر وموقع الدبشة ومحيط النبطية تقديم «صور نصر مرحلية» للشارع والناخبين. ويُستخدم هذا السلوك للترويج لقدرة الجيش على إبعاد المهددات عن الشريط الحدودي وفرض خطوط دفاعية جديدة قبل فتح صناديق الاقتراع، دون التعهد باتفاقيات استقرار نهائية قد تُحسب في التنافس السياسي الداخلي كمكسب للخصوم.
-أما المسار الثاني فيركز على تجنب التنازلات قبل اتضاح نواتج الانتخابات. فإن إبرام أي اتفاق سياسي شامل أو تقديم التزامات حدودية وتسهيلات أمنية قبل اتضاح الخريطة البرلمانية القادمة يُفسَّر في الداخل كـ «تنازل مجاني» أو ضعف استراتيجي، وهي ثغرة تستغلها أطراف المعارضة في الحملات الانتخابية لضرب مصداقية الحكومة الحاكمة وإسقاط شرعيتها الأمنية.
-وفي المسار الثالث، تبرز المخاطرة المحسوبة بالحرب المفتوحة. فعلى الرغم من التصعيد الموضعي المستمر، تتجنب الأطراف المختلفة الدخول في مواجهة واسعة النطاق وغير محسوبة النتائج مع لبنان، نظراً لما قد ترتبه من خسائر بشرية واقتصادية كبيرة تشكل مخاطرة سياسية قاتلة عشية الانتخابات، قد تطيح بالمستقبل السياسي للقيادة الحالية وتُربك الحسابات الحزبية بشكل كامل.استكشف كتب الحروب
•الاستراتيجية الميدانية ومسارات المرحلة المستقبليةأخبار لبنان
تتكامل الأبعاد الميدانية في مرتفعات النبطية مع التوقيات السياسية الحرجة لترسيخ واقع «المراوحة ضبطاً واستنزافاً». وتنساب التحليلات بشأن المآلات العسكرية والسياسية الوشيكة في جنوب لبنان عبر ثلاثة مسارات استراتيجية رئيسية تُحدد طبيعة المرحلة القادمة.
-المسار الأول وهو الأكثر ترجيحاً، يتجلى في سيناريو «حرب النزف الممتد». ويعتمد هذا المسار على بقاء المواجهات الميدانية ضمن إطار العمليات المركزة واستهداف النقاط الاستراتيجية الحاكمة كـ «علي الطاهر» وتلال الدبشة دون الانزلاق المباشر إلى صدام شامل، مع اعتماد الجانب الإسرائيلي على الضغط التكتيكي والاغتيالات للكوادر والميدانيين لفرض واقع أمني جديد بالتدريج.
-المسار الثاني يمثل سيناريو «الانفجار الشامل»، وهو خيار قائم ومخاطرة مرتفعة. ويتضمن هذا السيناريو اندفاع العدو نحو مجازفة عسكرية واسعة النطاق للسيطرة الميدانية الكاملة على المرتفعات الجنوبية، مما قد يُفجر مواجهة إقليمية واسعة تشترك فيها قوى متعددة وتمتد لتشمل الجغرافيا اللبنانية برمتها.
-أما المسار الثالث فيتمثل في «التسوية الدبلوماسية المعقدة»، القائمة على التوصل إلى ترتيبات أمنية وتفاهمات عبر قنوات تفاوضية غير مباشرة برعاية أمريكية وإقليمية لخلق استقرار مرحلي قبل الاستحقاقات الانتخابية الخارجية، مع رهن التفاهمات النهائية باتضاح التوازنات الدولية.
•عُقدة «علي الطاهر» بين الطروحات التفاوضية والتكتيك الإسرائيلياستكشف كتب الحروب
تتقاطع القراءات الدبلوماسية على أن مرحلة «إدارة الصراع» تُدار حالياً عبر رفع السقف التفاوضي بالضغط المباشر. فقد تحولت الطروحات الأمنية المتعلقة بتلال علي الطاهر ومن بينها اقتراحات انتشار الجيش اللبناني وتعزيز حضور القرار 1701 إلى محور تجاذب معقد بين القوى المعنية.
فمن جهة، ترى القوى الرسمية اللبنانية في المقترحات الداعية لانتشار الجيش اللبناني على التلة مدخلاً رئيسياً لتثبيت السيادة الوطنية وسحب الذرائع الأمنية من الجانب الإسرائيلي، وبناء رافع تفاوضي حكومي يحمي الجبهة الداخلية. ومن جهة أخرى، يرى القائمون على الجبهة الميدانية أن أي ترتيبات أمنية حول المرتفعات الحاكمة يجب ألا تفرغ المنطقة من أوراق القوة أو تتيح للجانب الإسرائيلي تحقيق مكاسب مجانية على طاولة المفاوضات لم يتمكن من فرضها عبر القوة العسكرية المباشرة.أخبار لبنان
وفي المقابل، يُستغل هذا التباين من قبل الجانب الإسرائيلي لتكريس واقع ميداني ضاغط على المفاوضين الإقليميين والدوليين، واستخدام السيطرة النارية على التلال كأوراق مقاصة تفاوضية خلال مرحلة الانتظار السياسي والتنافس الانتخابي الداخلي.
•المتطلِّبات الوطنية لمواجهة التحديات الراهنة
إن الاستحقاقات الميدانية والتفاوضية الممتدة تتطلب من الجانب اللبناني تجاوز المراهنات على التغيرات الخارجية والعمل الفوري على تحصين الموقف الداخلي لمواجهة الضغوط المترتبة على هذه التطورات.
-أولاً: تبرز الحاجة إلى صياغة استراتيجية جامعة من خلال بلورة رؤية سياسية وعسكرية موحدة تستند إلى حوار وطني شامل للتصدي للضغوط الميدانية والاقتصادية المترتبة على استمرار التصعيد الجنوبي.
-ثانياً: يتوجب تحصين الموقف الرسمي والمقاومة على حد سواء، إذ إن غياب التوافق الداخلي يُضعف الموقف التفاوضي للدولة اللبنانية أمام الوسطاء الدوليين، ويزيد من حجم الضغوط المسلطة على المقاومة والجيش اللبناني في معادلات التوازن الإقليمي.
-ثالثاً: تقتضي المرحلة إجراء مراجعة وتقييم شامل للخيارات الوطنية وتجاوز حالة الانقسام السياسي، بما يضمن تقليل الخسائر البشرية والمادية إلى أدنى حد ممكن، والتأسيس لموقف لبناني موحد وصلب أمام طروحات التهدئة والترتيبات الحدودية المرتقبة.
•بين صناديق الاقتراع ومرتفعات الجنوب: معادلة الحسم المؤجل
إن حالة المراوحة الميدانية الحالية ليست سوى إدارة دقيقة ومحسوبة لمنسوب التصعيد، بحيث يتم استخدام الميدان كمنصة لتسجيل النقاط السياسية وتحسين الشروط التفاوضية. فالطرف الإسرائيلي يتعامل مع الجبهة الجنوبية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من التنافس الداخلي، حيث يُترجم كل تحرك عسكري أو ضربة أمنية إلى أرقام ومكاسب في استطلاعات الرأي. وبناءً على ذلك، تظل تلال علي الطاهر حجر الزاوية الميداني الذي سيحدد مسار المنطقة: إما الامتثال لتسوية أمنية تضمن الانسحاب الكامل وتثبيت السيادة الوطنية عبر انتشار الجيش اللبناني، أو البقاء في دائرة استنزاف الجبهات المفتوحة على كافة الاحتمالات.