12 ربيع الأول 1448

الموافق

الخميس 27-08-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة ماذا يعني تصنيف واشنطن لـ"الحزب" بالنسبة للحكومة اللبنانية؟
ماذا يعني تصنيف واشنطن لـ"الحزب" بالنسبة للحكومة اللبنانية؟
غادة حلاوي
2026-08-26
ماذا يعني تصنيف واشنطن لـ"الحزب" بالنسبة للحكومة اللبنانية؟

على خطورته، مرّ تصنيف وزارة الخزانة الأميركية لحزب الله "كياناً إرهابياً عالمياً" يعمل "لمصلحة فيلق القدس أو بالنيابة عنه"، من دون تعليق لبناني رسمي، رغم كون الحزب ممثلًا في الحكومة كما في البرلمان، وله حضوره السياسي وجمهوره الواسع. لكأن الدولة تعمّدت غضّ الطرف عن القرار الذي اتخذته واشنطن، في محاولة لتلافي أزمة داخلية جديدة هي في غنىً عنها في الواقع الحالي لكنها ستخضع حكماً، وتطبق القرار متى أرادت واشنطن منها ذلك.

ليس معلومًا ما الذي تقصده واشنطن من القرار، لا سيما من ناحية التوقيت ومحاولة نزع الصفة اللبنانية عن الحزب، لتطلق العنان لمواجهته، وتنزع عنه الصفة السياسية، وتعتبره فصيلًا عسكريًا تابعًا للحرس الثوري الإيراني، وليس مقاومة لبنانية.

على المستوى اللبناني المباشر، قد لا يعني القرار شيئًا ولا تكون له مفاعيل تطبيقية على أرض الواقع، وأسبابه تندرج في موجة التصريحات اللبنانية التي كانت تنادي باعتبار حزب الله حزبًا غير لبناني والتعامل معه على هذا الأساس. تلقّفت واشنطن الدعوة التي تكررت على مسامع سفيرها في لبنان، وأصدرت وزارة الخزانة قرارها الهادف، بالدرجة الأولى، إلى نزع الصفة اللبنانية عن الحزب وتحويل لبنان إلى ساحة لتبادل الرسائل في الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.

ويمكن اعتبار أنَّ القرار موجّه ضد الدولة قبل حزب الله، ويُعدّ تدخلًا مباشراً بشأن لبنان، ويدفع باتجاه الصدام بين الدولة وحزب الله، على اعتبار أنه غير لبناني.

مصادر وزارية قالت إن الأمر لم يُبحث حكوميًا بعد، وليس معلومًا كيف يمكن التعاطي معه. تصنيفه على كونه أحد أذرع الحرس الثوري يعني احتمالين: فإما أن واشنطن تريد القول إن الدولة غير مسؤولة عن تصرفات حزب الله، ولا يجوز التعاطي معها على هذا الأساس، أو أن المقصود هو تدويل موضوع حزب الله، وهذا أخطر ما يمكن فعله، بحيث تعتبر واشنطن أنَّ حزب الله كيان إيراني موجود على أراضٍ لبنانية، وتتواجه معه على هذا الأساس.

ووفق المصدر الوزاري، فإن لما صدر انعكاساته القانونية الخطيرة، ما يستوجب الاستعانة بمتخصصين لتفنيد القرار وموجباته، وخبراء دوليين، لأن العقوبات ليست عادية. أما بالنسبة إلى انعكاسات القرار على الوزراء في الحكومة، فالوزيران ركان ناصر الدين ومحمد حيدر ليسا حزبيين، بل هما محسوبان على حزب الله، وتلتزم الحكومة بهذه القاعدة، وتتعاطى معهما على أساسها.

أما بالنسبة إلى حزب الله، فالأمر في القرار يتوقف على تعاطي الحكومة. فإذا أرادت الالتزام بتطبيقه وزيادة الضغط على حزب الله ومؤسساته الصحية والطبية والمالية، فهذا سيتسبب بإرباك داخلي خطير، وسيجرّ البلد نحو اشتباك داخلي.

وبحسب حزب الله، لا يمكن للحكومة أن تقول إن الحزب ليس حزبًا لبنانيًا، وتبني قرار كهذا. ولا يمكن أن يكون الأمر إلا من باب التضييق الاقتصادي على عائلات عناصر حزب الله والمناصرين، بحيث يتم التضييق على حركتهم المالية في المصارف والمعاملات المالية.

قنبلة موقوتة رمتها واشنطن باتجاه الداخل اللبناني، لتصعّب على الحكومة والدولة تعاطيها مع حزب الله، وتنزع عنه لبنانيته لتبرير التضييق عليه ماليًا واقتصاديًا، وتجعل مقاومته لإسرائيل على احتلالها.

وعندما نقول وزارة الخزانة، فهذا يعني عقوبات ذات أبعاد مالية على صلة بالموضوع السياسي والعسكري في آن معًا.

غير أن دلالة القرار لا تكتمل إلا بوضعه إلى جانب قرارين أميركيين صدرا في 24 آب الجاري: إطلاق أوسع حملة اقتصادية لعزل إيران، ورفع اسم سوريا من لائحة الدول الراعية للإرهاب، بالتزامن مع شطب هيئة تحرير الشام من لائحة الكيانات الإرهابية العالمية.

ففي الاتجاه الأول، دشّنت واشنطن ما سمّته "عملية العزل الاقتصادي"، وفرضت عقوبات على نحو ستين شخصًا وكيانًا وسفينة مرتبطة بإيران، ووسّعت مخاطر العقوبات لتشمل قطاعات الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن. والهدف المعلن هو قطع الروابط المالية للنظام الإيراني، وملاحقة من يتعامل معه أو يساعده على الالتفاف على العقوبات.

وفي الاتجاه المقابل، فتحت واشنطن الباب أمام إعادة دمج سوريا في النظامين الاقتصادي والسياسي الدوليين، ورفعت عنها صفة "الدولة الراعية للإرهاب"، كما نزعت عن هيئة تحرير الشام تصنيفها كيانًا إرهابيًا عالميًا. وبين القرارين تظهر السياسة الأميركية بوضوح: إخراج سوريا الجديدة من دائرة العزل، في مقابل إحكام الطوق حول إيران وكل القوى التي تعتبرها واشنطن امتدادًا لها في المنطقة.

من هنا، لا تبدو إعادة تصنيف حزب الله على أساس أنه يعمل لحساب فيلق القدس إجراءً ماليًا منفصلًا، بل حلقة لبنانية في إعادة رسم الخريطة الإقليمية: سوريا تُفصل عن إيران ويُفتح أمامها طريق العودة إلى المجتمع الدولي، فيما يُدفع حزب الله خارج تعريفه اللبناني ويُدرج بالكامل في خانة النفوذ الإيراني المستهدف.

وهنا تكمن القنبلة الفعلية التي رمتها واشنطن في الداخل اللبناني. فالمطلوب، وفق هذه المقاربة، ألا تتعامل الدولة مع حزب الله بوصفه قوة لبنانية مسلحة يجب أن يُحلّ موضوعها بالحوار الداخلي واستعادة الدولة قرار الحرب والسلم، بل بوصفه امتدادًا إيرانيًا ينبغي عزله وملاحقته ضمن المواجهة الأميركية مع طهران. وبذلك يصبح لبنان مهددًا بأن يُنقل من موقع الدولة الساعية إلى معالجة انقسامها الداخلي إلى موقع الساحة التي تُصفّى فوقها حسابات الآخرين.

المشكلة ليست في حق الدولة اللبنانية وواجبها في بسط سيادتها وحصر السلاح بيدها، فهذا قرار وطني لا بديل منه. المشكلة في أن تتحول هذه المهمة إلى تنفيذ لإملاء خارجي، أو إلى ذريعة لإعفاء إسرائيل من مسؤولية احتلالها واعتداءاتها، وتصوير حربها على لبنان وكأنها مجرد مواجهة مع فصيل إيراني.

أمام هذا التحول، لا يكفي الصمت الرسمي. على الدولة أن تتمسك في آن واحد بحصرية السلاح ولبنانية الحل، وبأن استعادة قرارها لا تعني السماح لأحد بنزع الهوية اللبنانية عن فئة واسعة من مواطنيها، أو تحويل أرضها إلى جبهة في الحرب على إيران. فالدولة وحدها تنزع السلاح، والدولة وحدها تحمي مواطنيها، والدولة وحدها تقرر موقع لبنان، لا واشنطن ولا طهران ولا إسرائيل.

المدن
أخبار مماثلة