16 ربيع الأول 1448

الموافق

الأحد 30-08-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

ثقافة وفن ومنوعات مجتمع نبذة عن حياة أمٍّ جنوبية
نبذة عن حياة أمٍّ جنوبية
بثينة سليمان
2026-08-30
نبذة عن حياة أمٍّ جنوبية

 

في عامها السابع صارت يتيمة الأب، وفي عامها الثامن خسرت أخاها الأكبر، وفي عام النكبة 1948 مشت في الوادي من قريتها طربيخا إلى مشارف رامية، نجت من مقصلة الموت، تركت الجنوب مع أسرتها لتعيش شمالاً، تزوجت من ابي لتعود إلى الجنوب، فقدت رضيعها الأول عام 1961، ثم كرت سبحة الإنجاب...

 
انجبت 7 أولاد وبنات، في العام 1970 عاشت محنة المواجهة بين المنظمات الفلسطينية والجيش اللبناني، في العام 1977 فقدت ابنتها الرضيعة بسبب الحرب الأهلية. كانت تطبخ وتخبز وتغسل وتعتني بنا، وتزرع الورد في حديقة بيتنا، تفعل كل ما يمكن لأم أن تفعله من أعمال كثيرة . في العام 1978 حملتنا إلى قرية معركة أطفالاً، بعيداً من ذلك الاجتياح الإسرائيلي، كانت تفعل كل شيء من أجلنا وعند المساء تشعل لنا قنديل الليل، توقظنا عند الحاجة كي نترك البيت ونذهب إلى الملجأ احتماء من قذائف جيش سعد حداد، في العام 1982 كان الاجتياح الإسرائيلي الكبير.


خسر أبي كل شيء، تركنا منزلنا الذي سرقه "جيش الدفاع"، عشنا القبضة الحديدية وحرب المخيمات، كانت أمي دائما تفعل ما يتوجب عليها كأم.

 
جاء عام التحرير 2000 وصارت طربيخا على مرمى حجر، لم تنس أمي قريتها، لم تنس تفصيلاً منها، لم تنس الحكايا ولا الألف باء التي تعلمتها على يد الشيخ يوسف من قرية كفرا، ولا فرس أبيها ولا حقول الزرع والأشجار والبيوت، ولا "بطحة" كلبة البيت. 


إلى يومنا هذا من العام 2026 لم تتوقف جولات الحروب وما زالت أمي تعيش تحت وطأتها… أمي امرأة جنوبية تفتنها حبات الزيتون وتفرح قلبها رائحة الحبق، تعشق مساكب النعناع والبقدونس والفجل، تذهب إلى مجالس العزاء ودائماً تدعو الله أن يحفظ الناس أجمعين. اقتربت من التسعين ولا تريد أن تصدق أن القرى التي جاورت طربيخا وارتبطت بأهلها ما عادت موجودة، ما زالت إسرائيل تهدد أمن أمي، وأمن وسلام أمهات كثيرات فقدن فلذات أكبادهن، فقدن معنى الحياة وسط كمٍّ من الخسائر لا يستوعبه عقل أو خيال.

المدن
أخبار مماثلة