18 ربيع الأول 1448

الموافق

الثلاثاء 01-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

هَزُلت
غازي العريضي
2026-09-01
هَزُلت

 

في اجتماع مخصّص لمناقشة طلب لبنان تمديد مهمة "قوات الطوارئ الدولية" في الجنوب، وقفت الإدارة الأميركية ضد كل أعضاء المجلس وصوتت ضد اقتراح التمديد. ليس في الأمر جديد أو مفاجأة. هذا موقف أميركي منتظر. لكن ما هو المنتظر في ظل إسقاط إسرائيل فكرة المناطق التجريبية، ونجاح خطتها التخريبية، رغم قيام الجيش اللبناني بمهامه ومسؤولياته كاملة في المرحلة الأولى، بعد التوقيع على اتفاق الإطار، والاتصالات التي أجراها ممثلو القيادة المركزية الأميركية الوسطى؟

 

لا يونيفيل. لا مناطق تجريبية. لا اتفاق على قوة دولية ما تعمل تحت راية الأمم المتحدة لمراقبة الوضع في الجنوب. الثابت: "لا أمم متحدة إلا في خدمتنا". "ولا دور فرنسياً لا في الجنوب ولا في غيره بعد اعتراف ماكرون بالدولة الفلسطينية". "المطلوب إبعاد أي دولة عن أي دور في غزة ولبنان وفي أية هيئة إقليمية دون موافقتنا أياً تكن الضغوطات علينا". "حاجاتنا الأمنية نقررها نحن". هذا هو الموقف الإسرائيلي المعلن والذي يجعل الجنوب ساحة مستباحة بشكل دائم. والخطورة هنا تكمن في خطة أميركية واضحة تهدف الى إسقاط القرار 1701 بكل مندرجاته واعتماد "اتفاق الإطار الثلاثي" الأميركي - الإسرائيلي - اللبناني بديلاً عنه في مجلس الأمن، وهذا يعني: لا حديث عن انسحاب إسرائيلي. ولا حق للبنان في مقاضاة إسرائيل. حدود وأرض لبنان مستباحة. ولا حدود لعدوان وأطماع دولة الاحتلال. وبالتزامن مع هذه الخطة تُطرح أوراق استكمالية لها وتناقش في أروقة وكواليس مراكز قرار دولية وعربية ولبنان الرسمي مطّلع عليها. في الأوراق أفكار حول إرسال قوات دولية لتنفيذ "اتفاق الإطار" بعد اعتماده قراراً وحيداً مرجعاً ومستنداً في مجلس الأمن. وهذا يعني نوعاً من الوصاية الدولية وتطبيق خطة "حصر السلاح" بالقوة، بذريعة أنَّ الجيش اللبناني غير قادر، ولم يقدّموا له شيئاً، أو أنَّ قيادته لا تقبل تنفيذ الخطط المرسومة، التي من ضمنها وفي حال تطورت الأمور الى مواجهات أو تحركات سياسية شعبية في الشارع، استقدام "قوات عربية" لحماية مؤسسات الدولة ومراكز القرار فيها، لدفع الأمور إلى فتنة مذهبية وفوضى عامة في البلاد. 

 

في هذا الوقت نقل نائب رئيس الحكومة طارق متري كلاماً عن رئيس الوفد اللبناني المفاوض سيمون كرم: "أن الوفد الاسرائيلي هدّد الوفد اللبناني بمقاضاة الدولة اللبنانية أمام محاكم في الولايات المتحدة بحجة أن السلطة تأوي منظمة إرهابية (حزب الله) ما استدعى أخذ قرار التنازل عن مقاضاة إسرائيل"! هكذا بكل بساطة تخلّى لبنان عن حقه. وإذا كان هذا هو السبب، فلماذا لم تعلن الدولة حقيقة الأمور؟ ولماذا ذهب أحد المسؤولين الى القول: "إن مقاضاة إسرائيل معلّّقة طالما المفاوضات مستمرة"؟ قلنا يومها هذا خطأ. ماذا لو ارتكبت إسرائيل مجازر أو عدواناً خلال المفاوضات ماذا ستفعلون؟ ولم يكن ثمة جواب مقنع. ماذا لو طالت المفاوضات؟ ماذا لو لم تعلقوها؟ أتستمر إسرائيل في عدوانها وتهديداتها واستباحتها ولا تقاضونها؟ لا جواب أيضاً. اليوم يخرج نائب رئيس الحكومة ليقول ذلك، ويؤكد ما كنا نقوله بالوقائع والمعلومات وليس من قبيل التحامل على أحد، أن ثمة وزراء وقوىً سياسية في البلاد تبرّر لإسرائيل ما تقوم به، ولا تريد إلا نزع السلاح ولو بالقوة، فأكد متري هذا الموقف أيضاً عندما قال: "الأجواء لم تكن في أي وقت مؤاتية لطرح ملف التوثيق الذي أعمل عليه داخل الحكومة أو لانتزاع تعهد رسمي بمقاضاة إسرائيل". ويضيف: "ثمة وفود أجنبية ومحلية سألت وزراء في الحكومة عن الموقف من مقاضاة إسرائيل وقتل صحافيين فكانوا يقولون: إسرائيل ليست من اختصاصنا. عليكم بالتوجّه الى متري لمتابعة هذا الملف".

 

مع هذه الذهنية وهذه الإدارة لأخطر معركة مصيرية مع اسرائيل، كيف يمكن الاطمئنان الى ما تحمل الأيام المقبلة من مخاطر وتطورات، إذا وضعت الخطط التي أشرنا اليها موضع التنفيذ، وسبق أن حذرنا من سوء إدارة التفاوض؟ وهذا الكلام لا يعني أبداً تبرير سوء التقدير وسوء التدبير الذي وقع فيهما حزب الله، أو قبول مواقف بعض قيادييه. وقد قلنا الكثير فيها. لكن ذلك لا يعني على الإطلاق أن يصل أي مسؤول أو سياسي لبناني الى تبرير ما تقوم به إسرائيل تحت عنوان السيادة وبسط سلطة الدولة والإمساك بقرارها، وهي تتخلى عن قرارات أساسية جوهرية في التفاوض وتراهن على دعم أميركي وخارجي، والأميركي يحيلك الى "الصبر" "وضبط النفس" لأن نتانياهو أمام موسم "انتخابي" "ولإسرائيل حق الدفاع عن النفس"، والخارجي القريب خصوصاً والبعيد، لاسيما الفاعل نسبياً، يتخلى ولا يوفر دعماً للجيش ليقوم بمهامه ويعترف مسؤولون لبنانيون بأنهم يتعرضون لضغوط للسير باتجاهات معينة وهم غير قادرين على الرفض. أليس في ذلك قوة دفع كبيرة لإسرائيل لتستمر في عبثها واستباحتها وعدوانها ومحاولة فرض كل شروطها على لبنان؟

 

منذ أيام كان وفد إماراتي كبير ضم رجال أعمال وممثلي شركات في بيروت. التقى مسؤولين. وتهرّب مسؤولون من اللقاءات لأن ثمة حساسية لدى جهات معينة من الامارات، وفي لبنان هي ضد "حزب الله" ومع "قرارات الدولة" وقريبة من إسرائيل من خلال علاقات وتنسيق عميقين معها في كثير من الأمور، وهذا معلن. بمعنى أنها لم تأت لدعم "حزب الله" أو من يمثل. جاء وفدها للاستثمار. وثمة نقاش حول استثماراتها في مصر وتملّكها مؤسسات وقطاعات، في النهاية الدولة المعنية هي التي تقرّر. لكن في لبنان الذين يعارضون الإمارات لا يُقدمون. وإذا أقدمت يعترضون وينكفئ مسؤولون. وكل ذلك باسم الكتاب والقانون. 

منذ أيام كان نقاش بيني وبين شخصية عربية مخضرمة لعبت أدواراً كبيرة ودخلت في وساطات، كان لبنان أساساً فيها، مما قالته لي: "لي ملاحظات كثيرة على هذا التعاطي مع الإمارات. ولم أفهم مقاطعة لبنان الفعلية من الدول العربية وعدم تقديم الدعم المطلوب لكم. زيارة الوفد استطلاعية لا تستحق مثل هذا النقاش والانكفاء من قبل البعض. منذ مدة سمعت فخامة رئيس الجمهورية يتحدث عن أن انسحاب إسرائيل يسحب ذريعة وجود السلاح لمقاومتها. ومع كل موقفي من "حزب الله" وممارساته على مدى سنوات سابقة رأيت في هذا الكلام منطقاَ وورقة يمكن استخدامها في مواجهة إسرائيل مع كل الدعم الأميركي لها. لكنني سمعت منذ يومين أحد المقربين منه يقول: "نعمل لسحب ذريعة وجود السلاح لنضمن انسحاب إسرائيل". غريب هذا الأمر، لكنني عشت مثله في مناقشاتي مع مسؤولين لبنانيين كبار في مراحل معينة. ما يؤلمني هو أن كثيرين عندكم لا يتعلمون مما جرى"! قلت: "تعرف رأيي منذ وقت طويل بهذه النقطة. وأنا أكرره دائماً: لبنان يعلّم، اللبنانيون لا يتعلمون باستثناء قلة قليلة جداً منهم لا تستطيع أن تفعل شيئاً مؤثراً وحدها". 

 

من خلاصة هذه المكالمة أدخل الى ما قيل منذ أيام عن وليد جنبلاط وموقفه الواضح من "اتفاق الإطار": "وليد جنبلاط يوم بدّو. يوم ما بدّو"!

ما أحوجنا الى الحرفة والخبرة والذاكرة والمتابعة الجدية الحكيمة العاقلة الموضوعية ومعرفة الاستفادة من كل الطاقات والإمكانات التي عنوانها: الوحدة الوطنية. الحقوق الوطنية. الحدود الوطنية. الاستقرار. وثوابت القرارات والمرجعيات الدولية. عدم التهوّر والاستعجال وتجنّب سوء التقدير وسوء التدبير من جهات رسمية أو جهات حزبية وسياسية لتفادي الدخول في متاهات يصعب الخروج منها. 

وليد جنبلاط قال رأيه في اتفاق الإطار بهدوء ودعا الى تجنّب وقوعنا في "إطار" اللعبة المناورات والسياسات الاسرائيلية، أما "بدّو وما بدّو" فيضّج العالم بمواقف أعظم رئيس في أميركا وأقوى رئيس على الساحة الدولية، ويكتب عنها وينتقدها أميركيون من داخل الإدارة وخارجها، وفي مراكز قرار في دول صديقة وحليفة لأميركا، المواقف التي تقول كلاماً حاسماً قاطعاً ونتائج ساحقة ماحقة وانتصارات لا مثيل لها وتهديدات بمحو حضارات وبعد ساعات تتغير باتفاقات مع "العدو" والرغبة في الاجتماع مع قادته والحوار معهم للوصول الى اتفاق من أجل العالم ومصالحهم ورؤيتهم "أمة عظيمة مجدداً". 

لن تتوقف الكتابة والتعليقات وإصدار المعاجم والكتب حول هذه الحالة، فهل يعتبر أصحابها ومؤيدوها وهل يتذكرون هذه الأمور عندما يعلّقون؟

 

في كل الحالات، ما يعنينا كلبنانيين، وكأصحاب رأي وموقف وخبرة وتجارب كبيرة مؤلمة مع اسرائيل ومعرفة بمناوراتها وقدراتها في التفاوض، حفظ وحدة لبنان وسيادة دولته على أرضه كاملة وبالتالي حفظ حدوده، وحماية وحدته أرضاً وشعباً ومؤسسات. وهذه أمانات يجب أن يجتمع حولها اللبنانيون، ولسنا مثاليين بل ندرك تماماً تاريخ لبنان ولعبة الأمم على أرضه وفي المنطقة والعالم، ونعرف موازين القوى، من واجبنا وحقنا أن نقول رأينا، وأن ننبّه الى خطأ وخطر. ومؤلم ان نقول: هزُلت. 

المدن
أخبار مماثلة