بينما يدرس الرئيس الأميركي دونالد ترامب إمكانية إعلان انتهاء الحرب مع إيران، تتحرك وزارة الدفاع الأمريكية في الاتجاه المعاكس، عبر تمديد انتشار القوات الأميركية في الشرق الأوسط والاستعداد لاحتمال استمرار العمليات العسكرية حتى العام المقبل، في مشهد يعكس فجوة واضحة بين الخطاب السياسي في واشنطن والاستعدادات العسكرية على الأرض.
ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن ترامب ناقش مع كبار مساعديه إمكانية إعلان انتهاء الحرب على إيران، وهي خطوة يُقال إنه يميل إليها، في وقت تراهن فيه الإدارة الأميركية على أن استمرار الضغط الاقتصادي المكثف سيدفع طهران في نهاية المطاف إلى تفكيك برنامجها النووي أو مواجهة انهيار اقتصادي وسياسي.
ويأتي ذلك بالتزامن مع إطلاق واشنطن حملة اقتصادية جديدة تحت اسم "المنبوذ الاقتصادي"، تستهدف قطاعات حيوية في الاقتصاد الإيراني، من بينها النفط والشحن والطيران والذهب والتكنولوجيا والأصول الرقمية، بهدف تضييق الخناق المالي على طهران وقطع مصادر تمويلها.
وجود عسكري أمريكي متزايد
ورغم الحديث عن إمكانية إنهاء الحرب، يواصل البنتاغون تعزيز وجوده العسكري في المنطقة، إذ يحتفظ بنحو 50 ألف جندي و19 سفينة حربية، من بينها حاملتا طائرات و13 مدمرة مزودة بصواريخ موجهة.
وتوفر هذه القوات لترامب ما تصفه واشنطن بـ"المرونة العملياتية"، بما يسمح للرئيس الأميركي بالاستمرار في الضغط على إيران أو التعامل مع أي تصعيد جديد، دون الحاجة إلى حشد قوات إضافية على نحو عاجل.
ويشير استمرار عمليات الانتشار إلى أن المؤسسة العسكرية الأميركية تستعد لسيناريو مغاير لإعلان سياسي محتمل عن انتهاء الحرب، خصوصاً مع بقاء احتمالات تجدد القتال مرتفعة.
نحمي إسرائيل والشرق الأوسط
وفي تصريحات أدلى بها ترامب، دافع الرئيس الأميركي عن استمرار المواجهة مع إيران، قائلاً إن الولايات المتحدة تتحرك لحماية إسرائيل والشرق الأوسط، وكذلك الدول الغربية من هجمات محتملة.
وأكد ترامب أن واشنطن "تتعامل بشكل جيد للغاية مع إيران"، فيما كرر تأكيده على التزامه بأمن إسرائيل، قائلاً إن الولايات المتحدة تتدخل لمساعدة تل أبيب وحماية المنطقة.
وتأتي هذه التصريحات بعد فترة هدوء استمرت قرابة شهر قبل أن تتجدد المواجهات بين الطرفين.
وخلال عطلة نهاية الأسبوع، شنت الولايات المتحدة ضربات استهدفت منصات إطلاق صواريخ في جزيرة لارك الإيرانية، فيما ردت طهران بإطلاق صواريخ باتجاه الأردن.
وتعكس تصريحات ترامب اعتماداً متزايداً على تقديم الدعم الأمريكي لإسرائيل باعتباره مسؤولية شخصية للرئيس، وليس مجرد التزام نابع من التحالف الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب.
تحرك أميركي لتوسيع الضغط الاقتصادي
وبالتوازي مع التحركات العسكرية، تكثف إدارة ترامب جهودها لتوسيع نطاق العقوبات الاقتصادية على إيران.
وفي إطار الإجراءات الأميركية، تحركت وزارة الخزانة لفصل فروع بنك مصر في الإمارات عن النظام المالي الأمريكي، بسبب علاقاتها التجارية مع إيران.
كما أصدر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تعليمات إلى السفارات الأميركية لإرسال مذكرات رسمية إلى الحكومات المضيفة، تحثها على قطع العلاقات التجارية مع إيران "فوراً وبشكل منهجي".
وتعود جذور الأزمة الحالية إلى مذكرة تفاهم وقعتها واشنطن وطهران في 18 يونيو/حزيران 2026، بهدف إنهاء الأعمال العدائية وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة.
لكن الاتفاق تعثر لاحقاً بسبب خلافات تتعلق بآليات التنفيذ وضمانات أمن الممر المائي، قبل أن تتجدد المواجهات في يوليو/تموز.
ومنذ ذلك الحين، انتقلت الولايات المتحدة تدريجياً من محاولة احتواء المواجهة إلى استراتيجية أكثر شمولاً تقوم على الجمع بين الضغط العسكري والعزلة الاقتصادية.
وفي الوقت الذي قد يسعى فيه ترامب إلى تقديم إعلان سياسي عن انتهاء الحرب، تكشف التحركات العسكرية والاقتصادية الأمريكية أن واشنطن لا تتعامل مع الأزمة باعتبارها انتهت فعلياً.
فتمديد الانتشار العسكري، وتشديد العقوبات، ومحاولة دفع الحلفاء والشركاء التجاريين إلى تقليص علاقاتهم مع طهران، كلها مؤشرات على أن الصراع قد يدخل مرحلة جديدة، يكون فيها الضغط الاقتصادي والاستعراض العسكري بديلاً عن العمليات القتالية واسعة النطاق، مع إبقاء خيار التصعيد مفتوحاً.