لبنان اليوم لا يواجه أزمة أمنية عابرة، ولا مجرد خلاف سياسي بين قوى تتنازع على موقع أو سلطة؛ إنه يقف أمام امتحان وجودي يتعلق بمعنى الدولة نفسها، وبقدرتها على أن تكون دولة بالمعنى القانوني والسياسي الكامل. فحين يصبح الإقليم الوطني عرضة للاعتداء، ويصبح القرار الوطني موزعاً بين مراكز قوى، ويتحوّل الخطاب السياسي الداخلي إلى مادة للتجاذب في مواجهة الخارج، فإن الخلل لا يعود في إدارة الدولة فحسب، بل يصيب أحد أركان وجودها: السيادة. والدولة التي لا تمارس سيادتها على أرضها، ولا تحتكر بصورة فعلية ومشروعة أدوات القوة العامة، ولا تتكلم من موقع الوحدة الوطنية حين تنتهك حدودها، تتحول تدريجياً من دولة صاحبة قرار إلى ساحة مفتوحة للآخرين.
والأخطر أن لبنان لا يواجه هذه الحقيقة للمرة الأولى. فمنذ 1948، مروراً بـ1969 و1975 و2006، وصولاً إلى المرحلة الراهنة، تتكرر المأساة ذاتها بأسماء مختلفة: الخارج يتقدم كلما تراجع الداخل، والسيادة تنكمش كلما اتسعت المساحات التي تسمح لقوى غير الدولة بأن تتحرك داخل الإقليم الوطني. وما يثير القلق ليس فقط تكرار الوقائع، بل العجز عن إنتاج العبرة الوطنية منها. وكأن التاريخ اللبناني لم يعد مدرسة، بل صار سجلاً تتكرر فيه الأخطاء فيما تتبدّل الضحايا والعناوين.
أولاً – السيادة ليست شعاراً وطنياً بل قاعدة دستورية وقاعدة في القانون الدولي
الدستور اللبناني لا يترك هوية الدولة ومفهوم سيادتها في منطقة التأويل السياسي؛ فلبنان، وفق الفقرة الأولى من مقدمته، دولة مستقلة ذات سيادة، كما أن الدستور يؤكد وحدة الأرض اللبنانية واستقلالها. وهذه ليست عبارة احتفالية تصلح للخطب الوطنية، بل قاعدة تأسيسية تفرض على السلطة العامة أن تصون استقلال الدولة ووحدة إقليمها، وأن تجعل القرار المتصل بالأمن الوطني والسياسة الخارجية شأناً للدولة ومؤسساتها الدستورية.سياحة لبنان
وفي القانون الدولي، تقوم السيادة على المساواة القانونية بين الدول وعلى احترام الاستقلال السياسي والسلامة الإقليمية. وقد جعل ميثاق الأمم المتحدة الامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضد السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي للدول من المبادئ المركزية للنظام الدولي. ومن ثم فإن انتهاك الإقليم اللبناني بالقوة لا يصبح مشروعاً لأن الداخل اللبناني منقسم، كما أن الانقسام الداخلي لا يمنح الخارج رخصة قانونية لاقتطاع السيادة أو فرض الوقائع بالقوة.
لكن القانون الدولي، مهما بلغت قوته المعيارية، لا يستطيع أن يصنع دولة بدلاً من أهلها. يستطيع أن يحمي الدولة من العدوان، وان لم يفعل (فمقاومة تجيد التقدير كما فعل موسى الصدر). وأن يقرر قواعد المسؤولية والاحترام، لكنه لا يستطيع أن يزرع في مجتمع ما إرادة الدولة إذا كانت تلك الإرادة ممزقة في الداخل.
وهنا تكمن المعضلة اللبنانية.
ثانياً – الاحتلال الخارجي لا يعفي الداخل من مسؤولية انهيار المناعة الوطنية
إن وجود القوات الاحتلال الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية وانتهاك السيادة والسلامة الإقليمية أمر لا يمكن تبريره بمنطق القوة أو تحويله إلى تفصيل في سجال داخلي. وقد أكدت الأمم المتحدة في المرحلة الراهنة ضرورة احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه، وفي آب 2026 وثّقت اليونيفيل كذلك خروقات إسرائيلية واسعة للأجواء والمياه اللبنانية وإطلاق مئات المقذوفات باتجاه الجنوب.أخبار إسرائيل
غير أن مواجهة الاحتلال لا تكون باستبدال سيادة الدولة بسيادة فريق، ولا بتحويل لبنان إلى حلبة تتعدد فيها مراكز القرار تحت عنوان الدفاع عن الوطن من هنا وهناك. فالاحتلال الخارجي اعتداء على الدولة، أما تعدد مراكز القوة داخلها فهو إضعاف لبنيتها السيادية. والخطأ الأكبر أن يُنظر إلى الأمرين باعتبارهما متناقضين؛ إذ إنهما، في الواقع، يغذي أحدهما الآخر.
كلما ضعفت الدولة، اتسعت قابلية لبنان للتدخّل الخارجي. وكلما تعددت القوى صاحبة القرار، أصبح الخارج أكثر قدرة على النفاذ إلى الداخل. وكلما انقسم اللبنانيون حول تعريف المصلحة الوطنية، صار تعريف لبنان نفسه موضوعاً قابلاً للتفاوض في الخارج.سياحة لبنان
وهذه هي الكارثة التي ينبغي أن تُسمّى باسمها الحقيقي.
ثالثاً – الجرثومة اللبنانية ليست في اختلاف الآراء بل في سقوط مفهوم الدولة
ليس المطلوب أن يصبح اللبنانيون متطابقين في السياسة والفكر؛ فالاختلاف من طبيعة النظام الديمقراطي، بل إن الدستور يفترض التعدد السياسي. لكن الدولة تنهار عندما يتحول الاختلاف إلى قطيعة مع مفهوم المصلحة الوطنية العليا، وعندما يصبح الانتماء السياسي أو الطائفي أو الحزبي مقدماً على الانتماء إلى الدولة.
الجرثومة الخبيثة ليست في وجود أحزاب أو تيارات أو طوائف؛ بل في العقل السياسي الذي يتعامل مع الدولة كغنيمة، والسيادة كمساحة قابلة للمساومة، والإقليم كحيز يمكن أن تتداخل فيه إرادات الخارج والداخل من دون حدود واضحة.
وهنا يجب أن يكون النقد قاسياً: لقد دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً لأنهم لم يحسموا، بصورة نهائية، السؤال الأول في علم الدولة: من يملك القرار في السلم والحرب؟ ومن يملك القوة؟ ومن يمثل لبنان خارج حدوده؟ ومن يحمي حدوده داخله؟
فإذا بقيت الإجابات موزعة، بقيت الدولة موزعة.
والدولة لا تكون دولة كاملة إذا كانت تملك علماً ونشيداً ومؤسسات، ثم تعجز عن جعل سيادتها حقيقة نافذة على كامل إقليمها.
رابعاً – صناعة الدولة الفولاذية تبدأ بإعادة الاعتبار للاحتكار الشرعي للقوة
إن المطلوب ليس دولة قمعية ولا دولة أمنية، بل دولة قوية بالقانون، صارمة في تطبيقه، واضحة في حدود سلطتها، لا تسمح بوجود سلطة موازية لها ولا بقرار أمني أو عسكري مستقل عنها. وقد شدّدت الأمم المتحدة في المرحلة الراهنة على أن استعادة سيادة لبنان تقتضي أن تكون للدولة السيطرة الكاملة على السلاح في الأراضي اللبنانية، وأن يكون الجيش والأجهزة الأمنية التابعة للدولة أصحاب السلطة في استعمال القوة العامة. وان لزم الأمر فمقاومة لبّها الأساس الوحدة الوطنية؟ وهذا المبدأ ليس إملاءً خارجياً؛ إنه من صميم مفهوم الدولة الحديثة. الدولة الفولاذية التي يحتاج إليها لبنان ليست الدولة التي تسحق مواطنيها، بل الدولة التي تمنع الآخرين من سحقها. هي الدولة التي تعرف حدودها، وتحمي إقليمها، وتفرض القانون على القوي قبل الضعيف، وتمنع تسلل النفوذ الخارجي عبر أي قناة، سياسية كانت أو أمنية أو مالية أو أيديولوجية. ولذلك فإن بناء الدولة يبدأ من إعادة تعريف الولاء الوطني: لا ولاء فوق الدستور، ولا قرار فوق مؤسسات الدولة، ولا قوة فوق القانون، ولا علاقة خارجية تتقدم على المصلحة الوطنية اللبنانية.سياحة لبنان
إن الدولة التي تقبل بتعدد المرجعيات السيادية داخلها لا تؤجل أزمتها؛ إنها تؤسس لانهيارها.
خامساً – من لبنان الساحة إلى لبنان الدولة
لقد آن الأوان للخروج من عقلية «لبنان الساحة». فهذه العبارة تختصر مأساة وطن كامل: ساحة للصراع العربي - الإسرائيلي، ساحة للحرب الأهلية، ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وساحة تتداخل فيها المشاريع الخارجية كلما غابت الدولة أو ضعفت.
لبنان ليس ساحة.
لبنان دولة ذات إقليم وشعب وسلطة وسيادة، وهذه الأركان لا تحتمل التجزئة ولا التفاوض بالوكالة. ومن هنا فإن صناعة الدولة ليست مشروعاً حزبياً ولا طائفياً، بل مشروع تأسيسي يعيد بناء العلاقة بين المواطن والدستور، وبين السلطة والسيادة، وبين الجيش والإقليم، وبين السياسة والمصلحة الوطنية.
وعلى اللبنانيين أن يدركوا أن حماية الدولة ليست ترفاً فكرياً ولا شعاراً في المناسبات. إنها شرط البقاء. فالدولة التي لا تحمي حدودها تصبح حدودها موضوعاً للآخرين، والدولة التي لا توحد قرارها تصبح قراراتها موزعة، والدولة التي لا تفرض قانونها تتحول إلى مساحة تستوطنها القوانين المتعارضة.أخبار إسرائيل
وعليه كاستنتاج، فإن لبنان لا يحتاج إلى مزيد من التسويات التي تؤجل أصل الداء، ولا إلى خطابات وطنية تُرفع في النهار ثم تُفرغ من مضمونها عند أول اختبار. يحتاج إلى قطيعة فكرية وسياسية مع فلسفة الدولة الهشة؛ إلى دولة تعرف أن السيادة لا تتجزأ، وأن الإقليم ليس ملكاً للسلطة ولا للحزب ولا للطائفة ولا لأي قوة خارجية؛ وأن السلاح، أياً كان عنوانه، لا يستطيع أن يتحوّل إلى سلطة فوق سلطة الدولة؛ (كما قال وعمل موسى الصدر حيث أسّس مقاومة لحماية الوطن من الاحتلال وحماية الدولة من جاحديها في آن) وأن الاحتلال يُقاوم بإعادة بناء الدولة لا بتكريس انقسامها. لقد علّمنا التاريخ منذ 1948 أن الفراغ لا يبقى فراغاً، وأن كل مساحة تتركها الدولة يستولي عليها آخرون. ولذلك فإن أخطر احتلال ليس فقط ذلك الذي يعبر الحدود، بل ذلك الذي يعبر إلى العقل الوطني فيقنع اللبناني بأن الدولة أمر قابل للتأجيل. كفى لبنان دفعاً لثمن عجز أبنائه وسوء إدارة سلطاته. آن أوان دولة لا تستجدي سيادتها، ولا تستعير قرارها، ولا تسمح لأحد أن يفاوض باسمها من خارج مؤسساتها. دولة تحمي أرضها بالقانون، وتفرض القانون على الجميع، وتغلق أبوابها أمام كل نفوذ يريد تحويلها إلى تابع أو ساحة أو ورقة. فإما أن يصنع اللبنانيون دولة تستحق اسمها، أو يبقوا شهوداً على وطن تتنازعه الإرادات. لبنان دولة ليست في جيب أحد.سياحة لبنان
*باحث أكاديمي حقوقي في القانون الدولي والدستوري