تخوض حكومة الرئيس نواف سلام معركة سياسية متعددة الجبهات، تتقاطع فيها ملفات القرار السيادي وحصرية السلاح والمسار التفاوضي مع إسرائيل، مع الجدال حول مشروع الموازنة (رغم تراجع الحكومة عن العديد من الضرائب التي حملها المشروع)، فضلاً عن القضايا المعيشية والخدماتية، وصولاً إلى حسابات التوازن الإقليمي.
وقد بلغت هذه المعركة محطة لافتة مع دعوة الرئيس نبيه بري إلى جلسة نيابية عامة يومي 15 و16 أيلول لمساءلة الحكومة، في خطوة تتزامن مع تحركات موازية في الشارع. إذ تشير المعطيات إلى اجتماع مطوّل عُقد على مدى أربع ساعات بين رئيس جهاز أمني سابق ونائب سابق (عميد متقاعد)، كُرِّس لتنسيق تحركات العسكريين المتقاعدين وتوجيهها ضد الحكومة.
هذه التطورات تطرح تساؤلات جديّة حول ما إذا كانت هذه الضغوط النيابية والميدانية تمهّد لتغيير حقيقي في موازين السلطة: فما هي الجهات التي تقود هذا التصعيد؟ وهل نحن أمام ضغط ظرفي أم بداية مسار متدرج يهدف إلى إسقاط الحكومة؟ وأين يقف «حزب الله» من هذا المشهد الإجمالي؟
• معركة القرار السيادي: الحكومة بين ضغوط التفاوض وسلاح «حزب الله»
تقف الحكومة في قلب معركة سياسية تتعلق بمستقبل القرار السيادي للدولة اللبنانية، ولا سيما حصرية قرار الحرب والسلم وحصر السلاح بالمؤسسات الشرعية. وقد أصبحت هذه العناوين أكثر حساسية مع انخراط الحكومة في المسار التفاوضي مع إسرائيل برعاية أميركية.
في المقابل، يرفض «حزب الله» هذا المسار، ويرى أن مقاربة ملف السلاح لا يمكن فصلها عن استمرار التهديدات والاعتداءات الإسرائيلية. وهكذا وجد الرئيس نواف سلام نفسه في نقطة تقاطع صراعين: صراع داخلي حول دور الدولة، وصراع إقليمي حول مستقبل الجنوب والسلاح والتفاوض. ومن هنا يمكن فهم ارتفاع نبرة الخطاب السياسي ضده، إذ إن المعركة ليست مجرد تقييم لـ «أداء حكومة»، بل حول الاتجاه الذي تريد الحكومة أن تسلكه الدولة اللبنانية.
• خريطة الحملات: من يقود الضغط ولماذا؟استكشف كتب الحروب
عند تفكيك الحملة الموجهة ضد رئاسة الحكومة، يمكن تمييز ثلاثة محاور رئيسية تتقاطع فيها الانتقادات، وإن اختلفت خلفياتها ومنطلقاتها، وإن تعارضت أحياناً في أهدافها النهائية:
١) المحور المعارض: تركّز أطراف في المعارضة، على طريقة إدارة الحكومة للملفات السيادية ومسار التفاوض الإقليمي، محذرة من غياب التنسيق الكامل بين مؤسسات الدولة، وداعية إلى حصر القرارات المصيرية بالمؤسسات الشرعية حصراً.
٢) المحور الاقتصادي والمعيشي (الموازنة والخدمات): تشكّل الملفات المعيشية والمالية المساحة الأكثر مساساً بالشارع والأشدّ تأثيراً في رسم معالم المواجهة السياسية، وتتوزع على ثلاثة أبعاد:
- مشروع الموازنة والانقسام المالي: يقع مشروع الموازنة في صلب السجال؛ إذ ترى أطراف نيابية واقتصادية أنه يفتقر إلى رؤية إنقاذية شاملة ويعتمد على الضرائب غير المباشرة، فيما تُمارس قوى أخرى ضغوطاً لإدراج اعتمادات صريحة لإعادة الإعمار والتعويضات والخدمات الطارئة، خصوصاً في المناطق المتضررة من الاعتداءات الإسرائيلية.
- تدهور الخدمات وفوضى الأسعار: توفر أزمات القطاعات الحيوية، كالكهرباء والمياه والدواء وغلاء السلع الأساسية، مادة يومية للتصويب الإعلامي والنيابي على الحكومة، مما يعزز المطالبة بتحديد المسؤوليات وإحداث تغيير خدماتي ملموس.
- شروط المؤسسات الدولية: يثير التلكؤ في إنجاز القوانين الإصلاحية والتفاوض مع صندوق النقد انتقادات القوى الاقتصادية والنقابية، ليتأرجح الملف بين اتهامات المعارضة للحكومة بالمماطلة، وتحذيرات أطراف أخرى من الشروط الدولية القاسية.
٣) المحور الإقليمي وتوازن القوى: يتقاطع جزء من السجال مع خلافات أعمق حول رؤية لبنان لعلاقاته الدولية وتفاهماته الأمنية، وهو ما يظهر في التشكيك المتبادل حول قدرة الحكومة على حماية التوازنات الوطنية الحسّاسة في هذه المرحلة الدقيقة، لا سيما في ظل تضارب مصالح القوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف اللبناني. •المواجهة تحت قبة البرلمان يُفسّر هذا التعدد في جبهات الضغط صعوبة اختزال الحملة على الرئيس نواف سلام في جهة واحدة أو دافع محدد، مما يخرج الأزمة من إطار الصراع الثنائي البسيط إلى أبعاد أكثر تعقيداً. وقد شكّلت دعوة الرئيس نبيه بري لعقد جلسة عامة لمناقشة الحكومة التحوّل الأبرز في هذا المسار، ما يطرح السؤال: هل تجري خلف الكواليس محاولات لإسقاط الحكومة في ظل ما تتناوله مصادر متابعة عن رغبة جهات محلية في المجيء برئيس حكومة أسبق لترؤس حكومة جديدة، جراء المواقف السيادية الصلبة التي يتمسك بها سلام؟ من هنا، يُفهم نقل المواجهة مباشرة إلى الساحة الدستورية؛ فإذا كان بإمكان الحكومة تجاوز الضغوط والتراشق الإعلامي، فإن وضع أدائها على تشريح البرلمان يضع الكتل النيابية أمام اختبار حقيقي لمواقفها. وتكمن أهمية الجلسة المرتقبة في كونها ستتيح للنواب فتح سلة الملفات الشائكة دفعة واحدة، لتصبح الحكومة ورئيسها أمام امتحان سياسي شامل يحدد قواعد المرحلة المقبلة.تحليلات سياسية
• لماذا الآن؟
السؤال عن التوقيت أكثر أهمية من السؤال عن عنوان الجلسة؛ فدعوة بري جاءت في لحظة تتصاعد فيها التطورات جنوباً، وتحتدم فيها المواجهة السياسية حول السلاح، فيما تخوض الحكومة مساراً تفاوضياً حسّاساً.
واللافت أن بري كان قد استقبل سلام في عين التينة في 8 أيلول، أي قبل أيام قليلة من تحديد موعد الجلسة، لكن التوقيت يفرض سؤالاً مشروعاً: هل انتقلت العلاقة بين رئاسة المجلس ورئاسة الحكومة من مرحلة التشاور إلى مرحلة رفع مستوى المساءلة والضغط؟
• حزب الله: المعركة الحقيقيةاستكشف كتب الحروب
من الصعب قراءة الحملة بمعزل عن موقف «حزب الله» الذي رفع سقف اعتراضه على الحكومة، ولا سيما في الملفات المتصلة بالسلاح والتفاوض. لكن سقوط الحكومة لا يعني تلقائياً ولادة حكومة أكثر انسجاماً مع شروط الحزب، بل قد يؤدي إلى فراغ سياسي طويل، أو إلى حكومة جديدة تحظى بغطاء عربي ودولي أقوى وأكثر صرامة تجاه ملف السلاح.
لذلك، فإن بقاء الحزب داخل الحكومة، رغم اعتراضاته، قد يكون أكثر فائدة له من إسقاطها في هذه المرحلة، ومن هنا يمكن أن تكون الاستراتيجية الفعلية هي إضعاف الحكومة وتعديل سلوكها، لا إسقاطها فوراً.
• بين المناورة والمسار الدستوري: الجلسة النيابية بميزان التغييراكتشف الفعاليات العربية
يغدو التمييز بين التسريبات والقرارات الحاسم الأبرز في قراءة المشهد؛ فالتسريبات الإعلامية التي تتناول «مخططاً حاسماً» للإطاحة بالحكومة وتسويق بديل جاهز لا تتعدى كونها أدوات ضغط ومناورة، ما لم يقترن ذلك بتوافق شامل بين القوى الفاعلة على البديل، وهو توافق لا يبدو متوفراً حتى الآن.
لكن مسار التغيير في لبنان لا يبدأ عادة بقرار مفاجئ، بل يمرّ بدرجات متدرجة: تصعيد إعلامي، تحميل الحكومة مسؤولية الأزمات، التشكيك في أهليتها، فتح الملفات برلمانياً، ثم اختبار البدائل في الكواليس.
من هذا المنطلق، تكتسب جلسة 15 و16 أيلول وزناً استثنائياً؛ فإن تحولت إلى منصة لتكريس انطباعٍ يفيد بعجز الحكومة، دخلت البلاد في مستوى جديد من الضغط السياساتي. أما إن ظلت في حدود المساءلة التقليدية وانتهت إلى تسوية أو تجديد الثقة، فإن سيناريو الإسقاط سيتراجع حكماً، ليبقى السؤال المفتوح: هل نحن أمام جلسة لمناقشة أداء الحكومة، أم لاختبار الجاهزية لتغييرها؟