بلغت الأضرار المادية المتراكمة تسعة مليارات دولار، معظمها في المنازل الخاصة. دُمّر ما يقارب 300 ألف وحدة سكنية، ولا يزال 300 ألف شخص نازحين، بينما تمكّن 800 ألف آخرون من العودة إلى مناطقهم الأصلية، ليجدوا في كثير من الأحيان منازلهم ومدارسهم ومتاجرهم وأراضيهم الزراعية متضررة بشدة.
هذه هي صورة لبنان كما رسمتها وزير الشؤون الاجتماعية حنين السيد، في مقابلة مع "وكالة نوفا"، حيث أشارت إلى أن إعادة الإعمار المادي وتعزيز وجود الدولة يُمثلان تحديين رئيسيين يواجهان البلاد، ويُحدد إيطاليا كأحد أكثر شركاء بيروت اعتماداً.
انضمت الخبيرة الاقتصادية ذات الخبرة الدولية الواسعة حنين السيد إلى الحكومة بعد مسيرة مهنية في البنك الدولي، حيث ركزت على الحماية الاجتماعية والفقر والتوظيف والاستجابة للأزمات. وبين عامي 2011 و2017، نسّقت استجابة البنك الدولي للأزمة السورية، ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية في لبنان، قادت برامج الحماية الاجتماعية وشبكات الأمان للأسر المُستضعفة. وتشمل خبرتها أيضاً قضايا الهشاشة والصراع، والتي تُعدّ الآن محوراً أساسياً لعمل وزارة الشؤون الاجتماعية.
وفي حوارها مع "نوفا"، قالت السيد: "بإمكاني إضافة المزيد من الأرقام، لكنني لا أريد أن أصدم الناس كثيراً. تبلغ تكلفة الأضرار المادية تسعة مليارات دولار، ومعظمها يتعلق بمساكن خاصة، منازل الناس، التي دُمرت. مستوى الدمار هائل".
وأوضحت الوزيرة أن "هذا الرقم يشمل أيضاً الأضرار المتراكمة خلال النزاع السابق عام 2024، ما يكشف عن حجم الأزمة التي لم تبدأ بالنسبة لكثير من العائلات هذا العام. فمنذ اندلاع المرحلة الأخيرة من النزاع في 2 مارس/آذار، أُجبر أكثر من مليون لبناني على مغادرة منازلهم في غضون ساعات قليلة. واليوم، عاد حوالي 800 ألف شخص، لكن إلى ماذا عادوا؟ فقد وجد الكثيرون أحياءً وقرىً متضررة بشدة، بينما لا يزال حوالي 300 ألف شخص نازحين. لذا، فإن العودة المادية لا تعني بالضرورة العودة إلى ظروف المعيشة الطبيعية".
بالنسبة للوزيرة حنين السيد، العقبة الأولى مالية، موضحة أن "التحدي الرئيسي هو التمويل، أي الموارد اللازمة لدعم التعافي. مع دمارٍ بقيمة تسعة مليارات دولار، نعلم أننا لن نملك هذا المبلغ، بالتأكيد ليس على المدى القريب". كما أن "السياق الدولي يزيد من صعوبة حشد الموارد، حيث انخفضت المساعدات الإنسانية العالمية، وتتراجع مساعدات التنمية أيضاً. العديد من الدول الغربية تحوّل مواردها إلى الإنفاق العسكري وأولويات أخرى، مثل أوكرانيا"، على حد قولها.
وتتابع قائلة إن لبنان تلقى خلال الأزمة الحالية "حوالي 300 مليون دولار"، وهو رقم لا يمثل سوى "ثلث ما هو مطلوب تقريباً". لكن توفر الأموال ليس الصعوبة الوحيدة. وتشير إلى أن "التحدي الثاني هو تلبية توقعات الناس. ثمانمائة ألف عادوا ويسألوننا: أين أنتم؟ لماذا لا تساعدنا الدولة؟ لماذا لا تستطيعون إعادة بناء منازلنا؟ التوقعات عالية جداً، وفي الوقت نفسه، ندرك القيود التي نواجهها".
هنا تحديدًا، بحسب الوزيرة، يكتسب الإعمار بُعدًا يتجاوز الجانب الإنساني البحت. فعلى مدى سنوات، ولا سيما في جنوب البلاد، كانت الخدمات الأساسية، كالصحة والتعليم وغيرها من أشكال الدعم، تُقدم أيضًا من قِبل جهات سياسية ومؤسسات غير حكومية. واليوم،
كما تقول السيد، تعاني بعض هذه المؤسسات من الضعف، ويقع على عاتقها سدّ هذه الفجوة. وتضيف: "يتمثل التحدي الذي يواجهنا كحكومة في التدخل وسدّ هذا الفراغ"، مُشيرةً إلى: "هذا ما أقوله للمانحين والمجتمع الدولي: ساعدونا في سدّ هذه الفجوة، وعلينا القيام بذلك الآن".
وتؤكد الوزيرة على أهمية الوقت، قائلةً: "هذا ليس أمرًا يمكن تأجيله لسنوات"، مُحذرةً من أنه في غياب نتائج ملموسة، "قد يفقد الناس ثقتهم" في المؤسسات ويعودون إلى طلب الحماية والخدمات من "جهات غير حكومية".
وتقول الوزيرة حنين السيد إن "التحدي الأكبر هو ضرورة وقف القصف"، مشيرةً إلى أن الهجمات الإسرائيلية استمرت رغم الاتفاقات المُبرمة، داعية المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة إلى ممارسة "مزيد من الضغط" لوقف العمليات، لأن استمرارها يُؤجج الإحباط وانعدام الثقة تجاه السلطات اللبنانية. وفي الوقت نفسه، تُضيف: "يجب تعزيز الجيش بشكل أكبر حتى يتمكن من أداء دوره على أكمل وجه".
في هذا السياق، تُمثل إيطاليا طرفًا ذا أهمية بالغة لبيروت. تقول السيدة سيد: "لطالما كانت إيطاليا شريكًا عظيمًا للبنان، تاريخيًا وعلى مدى عقود".
وتتطرق أولًا إلى الأمن ودور الوحدة الإيطالية في بعثة اليونيفيل جنوب البلاد. وتؤكد قائلة: "كان الدور الإيطالي في اليونيفيل أساسيًا للغاية".
وتكتسب هذه المسألة حساسية خاصة نظرًا لانتهاء ولاية البعثة الحالية: فقد نص قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2790 على تمديد اليونيفيل حتى 31 ديسمبر 2026، مع بدء عملية انسحاب منظم لاحقًا.
وتتساءل السيد: "ماذا سيحدث في نهاية العام؟ لقد أوضحت الولايات المتحدة موقفها بشأن استمرار اليونيفيل، ولكن ما هو البديل؟". ووفقًا للوزيرة، فقد أعربت عدة دول أوروبية، من بينها إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، عن استعدادها لمواصلة دعم أمن جنوب لبنان، ولكن لا بد من تحديد إطار دولي مناسب.
لكن العلاقة مع روما لا تقتصر على الأمن. تؤكد السيد قائلة: "التعاون التنموي مع إيطاليا قوي للغاية. لقد تلقينا، كوزارة للشؤون الاجتماعية، دعماً كبيراً من التعاون الإيطالي منذ عام 2008، من خلال برامج تنموية وتدخلات إنسانية".
في عام 2026، خصصت إيطاليا مبدئياً حزمة مساعدات طارئة بقيمة 10 ملايين يورو، تلتها حزمة أخرى بقيمة 15 مليون يورو، وُجهت، من بين أمور أخرى، إلى المجتمعات المتضررة والنازحين في الجنوب، ودعم إنعاش القطاع الزراعي من خلال مبادرات مع منظمة الأغذية والزراعة (الفاو). ويتم تنفيذ بعض هذه التدخلات من خلال منظمات المجتمع المدني والوكالات الدولية، بالتنسيق مع السلطات اللبنانية.
وتكشف السيد أيضاً لـ"نوفا"، خلال زيارتها لروما، أنها تحدثت مع ستيفانو غاتي، المدير العام للتعاون الإنمائي في وزارة الخارجية الإيطالية- فارنيزيناـ، حيث ناقشا "هذه البرامج وتلقينا التزامًا من إيطاليا بمواصلة دعمها، فهي ترغب في مواصلة دعمها الإنمائي والإنساني على حد سواء".
وأضافت السيد أن غاتي "سألني عن المشاريع المحددة التي يمكن دعمها، وشرح لي ذلك بتفصيل كبير. أولًا وقبل كل شيء، نشكر إيطاليا، فنحن على ثقة بأنها ستظل إلى جانبنا على الأصعدة السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية".
لذا، بالنسبة لبيروت، لا يُنظر إلى المساهمة الإيطالية على أنها مجرد استجابة لحالة طارئة، بل كجزء من علاقة أوسع مع المؤسسات اللبنانية وإعادة إعمار البلاد. وتستند مبادرة "متجذرون من أجل لبنان" التي أطلقتها وزارة الشؤون الاجتماعية إلى هذه الفلسفة نفسها، بهدف دعم المساعدات المؤسسية بأداة للتبرعات الخاصة. وقد عُرضت المبادرة أيضًا في روما، خلال فعالية نظمتها السفارة اللبنانية، وحضرها ممثلون عن المنظمة الدولية للهجرة، ومنظمة إنقاذ الطفولة، ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، وغيرها من المنظمات الدولية وغير الحكومية.
وتوضح السيد قائلة: "تركز الحملة بشكل أساسي على التبرعات الخاصة، بدلاً من التبرعات الحكومية الرسمية. فالمساعدات الرسمية تأتي من خلال علاقاتنا الثنائية مع دول مثل إيطاليا وشركاء آخرين. لكن خلال هذه الحرب، سألنا الكثيرون: كيف يمكنني المساعدة؟ وقد أُنشئت مبادرة "متجذرون من أجل لبنان" للإجابة على هذا السؤال".
وتتيح هذه الآلية للأفراد والجمعيات والمنظمات المساهمة عبر منصة مخصصة، بينما يستمر توجيه الدعم الشعبي من خلال قنوات الأمم المتحدة الثنائية أو المتعددة الأطراف.
وتضيف الوزيرة: "بإمكان الدول دعم لبنان مباشرة أو من خلال منظمات متعددة الأطراف"، مشيرةً إلى برنامج الأغذية العالمي، والمنظمة الدولية للهجرة، ومنظمة الفاو، وغيرها، حيث تركز بشكل أساسي على التحويلات النقدية المباشرة للأسر، التي تحددها وتتحقق منها الوزارة بالتعاون مع شركائها.
وخلال العرض التقديمي في روما، أوضحت أن مبادرة "متجذرون من أجل لبنان" قد جمعت بالفعل 338 ألف دولار أمريكي من خلال التبرعات الخاصة. ويمكن للمستفيدين استلام الأموال مباشرة عبر الهاتف، أو عن طريق شركات التحويل المحلية، مع إعطاء الأولوية لكبار السن، وذوي الاحتياجات الخاصة، والأسر التي لديها أطفال، والأسر التي تعيلها نساء.
تؤكد الوزيرة أن الأمر لا يقتصر على توزيع المساعدات فحسب، بل يهدف إلى تعزيز استقلالية الأسر، ودعم اقتصاد المجتمعات المحلية، وتعزيز قدرة الدولة اللبنانية على التدخل في أوقات الأزمات. ويعكس هذا النهج بشكل مباشر مسيرة السيد المهنية الممتدة لعقود في مجال شبكات الأمان الاجتماعي، حيث يستغل الأزمات لبناء مؤسسات قادرة على الاستجابة للأزمات المستقبلية.