أشهرت دار بلدية رام الله، كتاب "على سرير الكتابة" للكاتب والأسير المحرر ناصر أبو سرور، في المسرح البلدي، وسط حضور أدباء ومثقفين ومواطنين، فيما شارك الكاتب عبر تقنية "زووم" من جمهورية مصر العربية، حيث أبعدته سلطات الاحتلال الإسرائيلي إليها عقب الإفراج عنه.
وصدر الكتاب حديثاً عن دار الآداب للنشر والتوزيع، في طبعة ورقية تقع في 304 صفحات، ويندرج ضمن أدب السجون، إلا أنه يتجاوز سرد وقائع الاعتقال ووصف الحياة خلف القضبان، إلى تجربة أكثر ذاتية، يكشف فيها أبو سرور علاقته بالكتابة وكيف تحولت الكلمات إلى وسيلة لمواجهة العزلة وثقل الزمن واستعادة العالم الذي حاولت جدران السجن مصادرته.
ويستعيد الكاتب، عبر الذاكرة والخيال، تفاصيل المخيم والأزقة والأشخاص والحياة خارج القضبان، لتصبح الكتابة مساحة لمقاومة رتابة السجن والتخفيف من وطأة الألم، بدءاً من فاتحة "اقرأ"، مروراً بـ"اكتب"، ووصولاً إلى سؤال "لماذا لا تكتب؟"، ضمن ست مصارحات يستعيض عنها بالفصول.
وتشكل "مصارحات" أبو سرور محوراً أساسياً في تجربته الأدبية والإنسانية، إذ لا يتناول السجن من موقع الراوي الذي يصف مكاناً عاش فيه فحسب، وإنما من موقع من أمضى سنوات طويلة داخله، واختبر العزلة والانتظار وثقل الوقت. وتتداخل التجربة الشخصية مع الذاكرة والتأمل في الزمن والحرية والإنسان، ليضع أبو سرور الكتابة في مواجهة السجن، مؤكداً أن مهمته لم تكن الكتابة عن السجن وحده، بل عن العالم كله "من عيون السجن".
وقال أبو سرور: "أنا موجود على سطور الكتاب وفي هوامشه ومَتنه، وستجدون أنفسكم في وجعي الذي هو موجود في كل فلسطين، فأوجاعنا متشابهة ومعاناتنا متشابهة، وأنا جزء من كل"، معرباً عن شكره لكل من ساهم في الوصول إلى هذه اللحظة وإشهار الكتاب في رام الله.
وأضاف أبو سرور أنه سيكون سعيداً بانتشار الكتاب ووصوله إلى قلوب القراء، موضحاً أن الكتابة كانت بالنسبة إليه "فرصة مدهشة" للانغماس في ذاكرة بعيدة وقريبة، لكنها في الوقت ذاته كانت تجربة موجعة ومرهقة، وقال إنه تعب كثيراً أثناء كتابة الكتاب، إذ وجد نفسه أمام ذاكرة قديمة ظن أنه قادر على استعادتها والكتابة عنها دون أن تعود إليه أوجاع تلك اللحظات.
وأوضح أن عملية الكتابة أعادت إليه تفاصيل الألم التي حاول تجاوزها، فكانت الذكريات ترافقه مع كل صفحة، ما جعل النص "تجربة صعبة ووعرة في الكتابة"، مؤكداً أن الكتاب خرج في النهاية من رحم ذلك الجهد والألم، حاملاً جانباً من تجربته الشخصية وذاكرة الأسر، ومفتوحاً في الوقت ذاته على الوجع الفلسطيني الأوسع.
بدورها، قالت محافظ رام الله والبيرة ليلى غنام إن الوقوف في حضرة الأسير المحرر ناصر أبو سرور يمثل فخراً كبيراً، مشيدة بحضور الأمهات والزوجات اللواتي عانين من البعد والأسر، وبالدور الذي أداه الأسرى الفلسطينيون في تحويل تجاربهم إلى شهادات وكتب وروايات.
وأكدت أن الاحتلال لم ينجح في قهر الأسرى، مشيرة إلى أن عدداً منهم واصلوا التعليم والكتابة خلال سنوات الأسر، وخرجوا بإنتاج أدبي وفكري، رغم ظروف الاعتقال القاسية.
من جانبه، قال الشاعر والأديب الفلسطيني المتوكل طه إن كتاب "على سرير الكتابة" يمثل حالة من البوح والتخفيف من الحمولة الثقيلة التي يحملها الأسير، مشيراً إلى أن عنوان الكتاب وأسماء أقسامه، ولا سيما "مصارحات"، يعمقان العلاقة الوجدانية بين الكاتب والمتلقي.
وأضاف أن الكتاب أُنجز في السجن، وهو ما يؤكد أن تجربة الاعتقال باتت جزءاً من الحالة الفلسطينية العامة، موضحاً أن السجن يسعى إلى قتل الزمن الفلسطيني، بينما نجح أبو سرور في تجاوز حدوده من خلال الكتابة، وفتح تجربته على فضاءات أوسع.
وأشار طه إلى أن أبو سرور لا يكتب بوصفه أسيراً يستعيد تفاصيل تجربته الشخصية فحسب، وإنما يحوّل تجربة الأسر إلى سؤال أوسع حول الإنسان والحرية والزمن، موضحاً أن "مصارحات" الكتاب تمنح القارئ فرصة للدخول إلى العالم الداخلي للكاتب، بما يحمله من أسئلة وذكريات وأوجاع وتطلعات.
واعتبر أن قوة الكتاب تكمن في قدرته على الانتقال من الخاص إلى العام، بحيث تصبح تجربة ناصر أبو سرور الفردية جزءاً من الذاكرة الفلسطينية الجماعية، وتتحول الكتابة من وسيلة للتعبير عن المعاناة إلى فعل يحافظ على حضور الأسير وصوته في مواجهة محاولات العزل والمحو.
من جهتها، قالت الكاتبة والروائية المصرية نوارة نجم ابنة الكاتب احمد فؤاد نجم، إن أبو سرور يبتكر مصطلحاته الخاصة، ويتحدث من موقع الأسير الفلسطيني ابن المخيم والانتفاضة، معتبرة أن تجربته تتجاوز آلامه الشخصية لتعبّر عن المظلومين والمهمشين ومن يشعرون بأنهم غير مرئيين.
وأوضحت نجم أن خصوصية تجربة أبو سرور لا تنبع من كونه أسيراً فلسطينياً فحسب، وإنما من قدرته على تحويل تجربته الشخصية إلى نص مفتوح على أسئلة إنسانية تتجاوز المكان والظرف السياسي، مشيرة إلى أن الكاتب يكتب عن الإنسان الذي يكافح كي يكون مرئياً ومسموعاً في عالم يحاول تهميش صوته.
وقدم الكاتب والأديب عيسى قراقع قراءة في كتاب "على سرير الكتابة"، جمع فيها بين الأدب وتجربة المخيم والسجن، موضحاً أن أبو سرور لم يكتب "ليروي عن السجن بل ليفككه من داخله"، وأن الكتابة بالنسبة إليه كانت وسيلة لاستعادة الطفل الذي كانه، والشاب الذي أخذه الجدار، والإنسان الذي لم يستطع السجن مصادرته. وقال إن ثلاثين عاماً خلف القضبان لم تكن نهاية للحياة، بل محاولة لخلق حياة أخرى بالكلمات، مضيفاً: "حين أعجز عن كسر الجدار بيدي، أكسره بقلمي"، معتبراً أن هذه العبارة تلخص جوهر الكتاب وتجربة صاحبه.
وأضاف قراقع أن أبو سرور حمل "معول الكتابة" لهدم عالم السجن، وحوّل السرير من أداة للعجز إلى منصة للسيادة، واللغة من وسيلة للتواصل إلى وطن بديل، مشيراً إلى أن الكتاب لا يندرج منهجياً تحت تصنيف أدبي واحد، فلا يمكن اختزاله في السيرة الذاتية أو الرواية أو الدراسة الفكرية، وإنما هو كتاب متعدد الطبقات والأصوات، استخدم فيه الكاتب مختلف أدواته المعرفية في معركته من أجل الحرية والحضور والوجود.
وأوضح أن أبو سرور يعيد في الكتاب ترتيب علاقته مع خمسة عقود مضت، فيما تصبح الكتابة عملية تتجاوز الجسد المادي، إذ "تخرج من جسدك وتشيد لك من الكلمات جسداً بديلاً"، ينفصل عن مادته وينطلق في فضاء لا تحده العوائق أو القيود، معتبراً أن هذه تمثل إحدى أبرز مكاشفات الكتاب وتجلياته.
ويُعد ناصر أبو سرور، من مخيم عايدة بمحافظة بيت لحم، من الأصوات الأدبية المرتبطة بتجربة الأسر، إذ أمضى نحو 33 عاماً في سجون الاحتلال، وواصل خلال اعتقاله الكتابة والدراسة، وحصل على درجتي البكالوريوس والماجستير في العلوم السياسية. وحوّل تجربته إلى مادة أدبية وفكرية تناولت السجن والحرية والإنسان الفلسطيني، ومن أبرز أعماله رواية "حكاية جدار" وديوان "عن السجن وأشياء أخرى".