12 ربيع الثاني 1448

الموافق

السبت 26-09-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة وسط "هرطقات" داخلية بتغيير وزاري.. سلام يحمل سيادة لبنان وإصلاحاته إلى الأمم المتحدة ويكرِّس حضور الدولة أممي
وسط "هرطقات" داخلية بتغيير وزاري.. سلام يحمل سيادة لبنان وإصلاحاته إلى الأمم المتحدة ويكرِّس حضور الدولة أممي
زياد سامي عيتاني
2026-09-25
وسط "هرطقات" داخلية بتغيير وزاري.. سلام يحمل سيادة لبنان وإصلاحاته إلى الأمم المتحدة ويكرِّس حضور الدولة أممي

جاءت مشاركة رئيس مجلس الوزراء اللبناني، الدكتور نواف سلام، في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في لحظة تاريخية فارقة تحتدم فيها التحديات الجيوسياسية الضاغطة على لبنان والإقليم، لتشكل محطة مفصلية في مسار استعادة الدولة لهيبتها وحضورها على الخارطة الدولية.

المفارقة «المعيبة» وطنياً، أنه بينما كانت الكواليس السياسية في بيروت تشهد ضغوطاً متزايدة ومناورات حثيثة تقودها بعض المراجع والقيادات المحلية لمحاصرة حكومة سلام عبر المطالبة بتبديل وتغيير أسماء الوزراء الذين هم من سموها بأنفسهم، في محاولة لإعادة إنتاج منطق المحاصصة والتعطيل، كان نواف سلام يقف على منبر الأمم المتحدة وفي لقاءاته الموسعة مقدماً نموذجاً مغايراً في الترفع السياسي، حاملاً الهمّ الوطني اللبناني الشامل وقضايا الناس إلى أكبر وأرفع محفل دولي في العالم.

•مضامين الكلمة ورؤية «التعافي بالتوازي»تحليل سياسي

جاء خطاب رئيس الحكومة في الأمم المتحدة بمثابة ورقة عمل استراتيجية صيغت بدقة لتخاطب المجتمع الدولي بلغة المؤسسات والمسؤولية:

1.التعافي لا ينتظر انتهاء النزاعات: شدد سلام على أن عودة أهالي الجنوب والبقاع والضاحية إلى مناطقهم، واستعادة الخدمات الأساسية وسبل العيش الكريم، لا ينبغي إرجاؤها حتى الحسم النهائي للنزاعات الميدانية أو انتظار التسويات الكبرى. فالتعافي الاجتماعي والاقتصادي هو المسار الموازي الذي يحمي المجتمع من الانهيار.

2.معادلة «التكامل لا الاستبدال»: دعا سلام الدول المنظمة والمنظمات الأممية إلى اعتماد آلية تمويل مرن تُدار وتُنظم عبر الشراكة مع مؤسسات الدولة اللبنانية. وأكد أن الدعم الدولي يتسم بالفاعلية والاستدامة عندما يرسّخ دور المؤسسات الوطنية الرسمية، ويدعم قدرتها الشاملة بدلاً من أن يحل محلها أو يهمش دورها التنفيذي.

3.السيادة وحصرية السلاح والقرار: أعاد رئيس الحكومة التذكير بالمعادلة السيادية الثابتة التي ترتكز عليها رؤيته؛ إذ أشار بوضوح إلى أنه «لا دولة بجيشين، ولا دولة بقرارين». وأكد أن حصرية السلاح بيد المؤسسات العسكرية والأمنية الشرعية وضبط القرار الاستراتيجي هما الشرطان الأساسيان لأي استقرار مستدام، والركيزة الأولى لإعادة بناء ثقة المجتمع الدولي واللبنانيين في المغترب بالدولة ومؤسساتها.

شكل اللقاء الجامع الذي عقده رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مع أبناء الجالية اللبنانية في مقر القنصلية العامة بنيويورك إحدى أبرز محطات الزيارة الأممية، حيث وضع المغتربين في جو الموقف السياسي والخطوات الإصلاحية، جازماً بعناوين سيادية واقتصادية صارمة. فقد جدد سلام التزامه بألا تكون الدولة مجرد شاهد، بل صاحب القرار الحصري والوحيد في السلم والحرب، مكرراً عبارته الشهيرة بأنه لا يمكن أن تقوم دولة بجيشين أو بقرارين. كما استعرض حزمة الخطوات الهيكلية التي اتخذتها حكومته لكسر جمود الملفات المعطلة منذ عقود؛ بدءاً من رفع السرية المصرفية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، ومشروع قانون علاج الفجوة المالية ومسار التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وصولاً إلى الخطوة المفصلية بتعيين الهيئة الناظمة للكهرباء بعد تعطيل استمر لأكثر من عشرين عاماً، ودفع مشاريع تطوير مرفأي بيروت وطرابلس وتشغيل مطار القليعات. ووجّه سلام رسالة مباشرة إلى الاغتراب اللبناني دعاهم فيها إلى الانتقال من دور «الممول» إلى موقع «الشريك الاستثماري» في مشاريع البنى التحتية والتنمية، معلناً صراحة رفضه للتعاطي مع المغتربين وكأنهم مجرد «ATM للبنان» يُلجأ إليها كلما اشتدت الأزمات، بل كقوة تنموية شريكة وأساسية في بناء

تكتسب مشاركة سلام وحراكه المكثف أبعاداً ورسائل سياسية عميقة تتجاوز نطاق الأطر البروتوكولية لتلامس جوهر الأزمة اللبنانية:

1.المقاربة بين بيروت ونيويورك: كشفت هذه الدورة الأممية التباين الصارخ بين نهجين في السياسة اللبنانية؛ نهج مأزوم في الداخل يستغرق في التجاذبات والحسابات الضيقة حول الحقائب والأسماء والتمثيل، ونهج يسعى في الخارج إلى إنقاذ وطن يترنح عبر تثبيت حقوقه الوطنية ودعم مقومات صموده.

2.التوقيت الحساس والملفات الساخنة: جاءت المشاركة في لحظة بالغة الحرص على الجبهة الجنوبية، وفي ظل ملفات متشابكة ترتبط بالمفاوضات المرتقبة مع إسرائيل، ومستقبل قوات اليونيفيل، وحصرية السلاح، مما جعل الخطاب اختباراً حقيقياً لطرح تداعيات الاعتداءات الإسرائيلية مباشرة أمام المنبر الأممي بلغة سيادية متماسكة.سياحة لبنان

3.إنهاء منطق الهياكل الموازية: تؤكد المطالبة باستمرار التمويل عبر القنوات الرسمية رغبة الحكومة السيادية في إنهاء مرحلة السلطات الموازية، وتكريس أن الشرعية ومؤسساتها هي العنوان الوحيد الصالح للحصول على ثقة العالم وإدارة أموال الإعمار والتنمية.

4.تأطير الموقف التفاوضي بالانسحاب الكامل: أعاد جرس الإنذار الذي رفعه سلام بشأن الجنوب تأطير الموقف التفاوضي اللبناني، عبر التأكيد على أن الاستقرار لا يتأتى بالحلول الجزئية، بل بالالتزام الكامل بالقرارات الدولية، وخروج القوات الإسرائيلية، وتأمين البيئة الآمنة لعودة الأهالي وصمودهم في أراضيهم.


5.اتساع الطيف الدبلوماسي والدور الاقتصادي للمغتربين: يعكس تنوع اللقاءات الأممية والعربية والأوروبية محاولة لبنانية حثيثة لبناء شبكة دعم دولية متعددة المحاور وعدم الارتهان لمسار واحد. ويتكامل ذلك مع رؤيته أمام الجالية التي كرست التحول من «طلب المساعدة» إلى «عرض الشراكة الاستثمارية»، تحضيراً لمرحلة ما بعد التفاوض مع صندوق النقد وربط الإصلاحات بتدفق الاستثمارات الخارجية.

6.الربط الاستراتيجي بمسار واشنطن: يؤشر توجه سلام إلى واشنطن مباشرة عقب كلمته إلى أن الملف الأمريكي، لا سيما في ما يتعلق بالضغط على إسرائيل ودعم الجيش اللبناني واللقاء المرتقب مع وزير الخارجية الأمريكي يحتل أولوية محورية موازية للمنبر الأممي نفسه.

•بين حسابات الداخل والهمّ الوطني المفصلي

اللافت في هذا الحراك الدولي المكثف أنه تزامن مع مناخات سياسية محلية محتقنة، حيث تسربت أوساط سياسية لبنانية أنباء عن تحركات تقودها بعض المراجع والقيادات الحزبية لإعادة تحريك ملف تعديل التشكيلة الوزارية، من خلال طرح أسماء بديلة للوزراء الذين كان سلام قد سمّاهم بنفسه عند إعلان الحكومة. وجاءت هذه الضغوط المتجددة كاستمرار لمساعي إعادة تعزيز موازين التمثيل الفئوي والمحاصصة داخل الفريق الحكومي.

وفي المقابل، بدا نواف سلام حريصاً على العبور فوق هذه التجاذبات الضيقة، مبقياً بوصلته في نيويورك موجهة نحو قضايا الوطن الكبرى؛ من تثبيت السيادة اللبنانية، وحصرية قرار السلاح، والتأكيد على خروج القوات الإسرائيلية، وصولاً إلى تأمين شبكات التعافي الاقتصادي والإعمار. ورغم صعوبة فصل هذه التجاذبات عن السياق التنافسي التقليدي المحيط بالاستحقاقات الحكومية في بيروت، إلا أن الشارع والمتابعين قرأوا في المشهد مفارقة حادة كشفت تبايناً صارخاً بين «داخلٍ غارق في توزيع الحصص والمواقع» و»خارجٍ يسعى لترميم هيكل الدولة واستعادة موقعها الأممي».

لقد وجه نواف سلام من نيويورك رسالة واضحة إلى الجميع: إن معركة حماية لبنان واستعادة هيبة دولته لا تُدار عبر مناورات الأزقة والمحاصصات السياسية الصغيرة، بل من خلال الالتزام الشجاع بخيار الدولة السيادية الموحدة والمؤسسات القوية القادرة على حماية أرضها وشعبها.

أخبار مماثلة