دعت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، في اجتماعها مساء الجمعة 25- 9-2026، الدعوة إلى عقد حوار وطني فلسطيني شامل في القاهرة، برعاية مصرية وتحت راية منظمة التحرير الفلسطينية، وكان الرئيس محمود عباس قد أعلن خلال زيارته الأخيرة إلى القاهرة، عن التوجه لعقد مؤتمر فلسطيني للمصالحة، من دون أن تتضح حتى الآن تفاصيل موعد انعقاده أو جدول أعماله.
وتأتي هذه الدعوة في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد، تتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، في ظل استمرار العراقيل الإسرائيلية التي تهدد إجراءها في موعدها، سواء ما يتعلق بعمل لجنة الانتخابات المركزية وتحركها، وإدخال المواد الانتخابية، وتمكين المرشحين من الحركة، أو ضمان إجراء الانتخابات في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة.
وفي ظل ذلك، يبرز احتمال أن يصبح تأجيل الانتخابات أحد الملفات الرئيسية على طاولة الحوار.
وهنا تحديدًا يبدأ السؤال الذي يستحق أن يُطرح بوضوح: هل نريد حوارًا يكون هدفه المركزي إيجاد مخرج لتأجيل الانتخابات، أم نريد حوارًا وطنيًا حقيقيًا يبحث في أصل الأزمة الفلسطينية، ويضع أسسًا جدية للخروج منها؟
لقد سبق أن أوضحت موقفي من الانتخابات، وشروطها وسقفها السياسي والمحاذير التي تحيط بها، في أكثر من مقال. لكن القضية اليوم تتجاوز الموقف من الانتخابات ذاتها إلى السؤال عن مضمون الحوار الذي قد ينعقد تحت عنوان المصالحة.
فالخوف ليس من الحوار، بل من أن يتحول إلى وسيلة جديدة لإدارة الأزمة، وأن ينتهي إلى تفاهم مؤقت يضاف إلى سلسلة طويلة من التفاهمات والاتفاقات التي سرعان ما تراجعت أو تعثرت قبل أن يجف الحبر الذي كُتبت به، بينما بقيت القضايا الجوهرية معلقة، واستمر الانقسام، وتآكلت الثقة الشعبية، وتراكمت الأزمات.
لقد خاض الفلسطينيون جولات عديدة من الحوار، في القاهرة تحديدًا، كما في عواصم أخرى، وتوصلوا إلى اتفاقات وتفاهمات كثيرة. لكن المشكلة لم تكن في نقص الاتفاقات، بقدر ما كانت في غياب الإرادة الكافية لتنفيذها، وغياب الآليات الملزمة التي تضمن تحويل ما يتم الاتفاق عليه إلى واقع سياسي ومؤسسي.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس حوارًا جديدًا بالمعنى التقليدي، بل فرصة يجب التقاطها نحو الدخول الجدي في حوار مختلف في أهدافه ومخرجاته وآليات تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
نحتاج أولًا إلى مصارحة وطنية تسبق المصالحة؛ مصارحة ومراجعة جادة يشارك فيها الجميع، بلا استثناء، ولا تستثني أحدًا من المسؤولية عما وصلت إليه الحالة الفلسطينية من تدهور وتآكل في مكانتها على مختلف الصعد.
فلا طرف واحد يمتلك وحده مفاتيح الخروج من هذه الحالة، كما لا يمكن لطرف واحد أن يُحمّل وحده مسؤولية استمرارها. الكل مسؤول، والكل معني بالمراجعة، والكل مطالب بالمساهمة في صياغة طريق الخروج.
وعلى طاولة الحوار يجب أن تطرح الأسئلة التي طال تأجيلها: أين أخطأت الفصائل والقوى السياسية؟ وأين نجحت؟ لماذا فشلت الاتفاقات السابقة؟ لماذا تعمق الانقسام بدلًا من أن يتراجع؟ وكيف يمكن الحفاظ على القرار السياسي الفلسطيني؟ وهل ما زالت الأدوات والسياسات التي اتبعت خلال السنوات الماضية قادرة على تحقيق أهدافنا الوطنية؟
لكن السؤال الأهم يبقى: أي مشروع وطني نريد؟
فالمصالحة ليست مجرد اتفاق على تشكيل حكومة، أو ترتيب وضع إداري في غزة، أو إعادة توزيع المسؤوليات بين القوى السياسية. المصالحة الحقيقية يجب أن تكون مدخلًا لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة والشرعية والمساءلة، وأن تعيد توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس ضمن ولاية سياسية وقانونية فلسطينية واحدة.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاوز منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الإطار الوطني الجامع والممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. والمطلوب ليس فقط التأكيد على مكانتها، وإنما تطوير مؤسساتها وتوسيع المشاركة السياسية فيها، بما يعزز قدرتها على تمثيل الحالة الفلسطينية بكل تنوعها.
كما لا يجوز أن تتحول الانتخابات إلى مجرد خلاف حول موعد إجرائها أو تأجيلها. فالانتخابات حق يكفله القانون الأساسي، وليست عبئًا ينبغي التخلص منه عند كل أزمة، وإنما إحدى أهم أدوات تجديد الشرعية واستعادة ثقة الشعب بمؤسساته.
- [ ] وإذا حالت ظروف قاهرة دون إجرائها في موعدها، فإن الحوار يجب أن يتجه إلى الاتفاق على إجراءات عملية تصون هذا الاستحقاق، وتعمل على تذليل العقبات التي تحول دون إجرائه، بدل تحويل التأجيل إلى حالة مفتوحة بلا أفق.
والحوار المطلوب لا ينبغي أن ينشغل بالموقف من صندوق الاقتراع إلى درجة فقدان البوصلة الوطنية. فالفلسطينيون يواجهون تحديات كبرى تستدعي وحدة الموقف والقرار، وفي مقدمتها حماية وحدة الأرض الفلسطينية، ورفض أي ترتيبات تفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية والقدس، أو تنتقص من وحدة الولاية الوطنية عليها.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن فصل الحوار الوطني عن الظروف القاسية التي يعيشها شعبنا، ولا عن التداعيات العميقة لحرب الإبادة المستمرة، وما يرافقها من مخططات للضم والتهجير ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض. فهذه التحديات لا تترك مجالًا لحوار ينشغل فقط بتفاصيل الانقسام أو الاستحقاق الانتخابي، بينما تتسع المخاطر التي تستهدف الأرض والإنسان والحقوق الوطنية.
ومن هنا، ينبغي أن يضع الحوار في مقدمة أولوياته تلبية احتياجات الناس وتعزيز صمودهم، إلى جانب حماية الحقوق الوطنية ومواجهة مخططات الضم والتهجير، ووضع استراتيجية وطنية واضحة وموحدة للتعامل مع هذه التحديات، سياسيًا ودبلوماسيًا وقانونيًا وعلى مختلف المستويات.
كما ينبغي أن يبحث الحوار في كيفية استثمار ما تحقق من حضور واعتراف دولي بدولة فلسطين، وتحويل هذه الإنجازات إلى أدوات سياسية وقانونية ودبلوماسية فاعلة، بدل أن تبقى في إطارها الرمزي.
إننا لا نحتاج إلى مصالحة تعيد إنتاج الوضع القائم، ولا إلى حوار يوزع مواقع القوى، ولا إلى تفاهم جديد يؤجل المشكلة إلى موعد آخر.
نحتاج إلى حوار يعيد بناء الثقة، ويجدد الشرعية، ويوحد المؤسسات، ويحدد المشروع الوطني، ويضع آليات واضحة وملزمة لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، ويستجيب في الوقت ذاته لاحتياجات شعبنا وتحديات المرحلة.
إذا كان الحوار سيُعقد فقط للاتفاق على كيفية تجاوز الاستحقاق الانتخابي، فسنكون قد أضفنا تأجيلًا جديدًا إلى قائمة الأزمات المؤجلة.
أما إذا كان فرصة لمراجعة وطنية شجاعة، وإعادة بناء النظام السياسي على أساس الشراكة، واستعادة الوحدة، وتجديد الشرعية الشعبية، وتلبية احتياجات الناس، ووضع استراتيجية وطنية واضحة لمواجهة تداعيات حرب الإبادة ومخططات الضم والتهجير، فإنه يمكن أن يشكل بداية لمسار مختلف.
فالسؤال ليس: هل نريد حوارًا؟
نحن جميعًا نريد الحوار.
لكن السؤال الذي يجب أن يسبق كل شيء هو:
أي حوار نريد؟ وأي مصالحة نريد؟ والأهم: إلى أي مستقبل فلسطيني نريد لهذا الحوار أن يقودنا؟26-9-2026