تصوير - أحمد منتش
ستبقى مدينة النبطية "عاصمة جبل عامل"، مدينة منكوبة وحزينة ومجمل مظاهر الحياة فيها شبه معدومة ومنقوصة، ما دام مشهد الركام والخراب قائماً في أحيائها وشوارعها وساحاتها وأسواقها التجارية والشعبية والتراثية، وما دامت غالبية سكانها نازحة عنها قسراً، وإن كان عدد منهم يأتون في ساعات النهار، ثم يعودون من حيث أتوا واستقروا خلال الحرب المدمرة، ولاسيما منها معركة إسناد غزة وحربي "أولي البأس" و"العصف المأكول"، علماً أن عدداً من أصحاب المشاريع التجارية والصناعية، نقلوا مصالحهم وأعمالهم الى خارج المدينة وخصوصاً الى صيدا وغيرها.
لذلك، لن تعرف النبطية السكينة والاستقرار وتستعيد بعضاً من فرادتها، قبل انسحاب آخر جندي من قوات الاحتلال الإسرائيلي، أقلّه في الوقت الراهن، من قرى منطقة شمال نهر الليطاني وبلداتها، وتحديداً بلدات زوطر الشرقية ويحمر الشقيف وكفرتبنيت وأرنون وقلعتها الأثرية، وقبل تعويض جميع المتضررين، كي يتمكّنوا من إعادة بناء بيوتهم ومحلاتهم ومصالحهم التجارية التي تحولت إلى ركام فوق ركام، نتيجة الغارات العنيفة والقصف المدفعي الإسرائيلي، وقبل أن تستكمل الدولة تطوير مؤسساتها وتعزيز إداراتها الرسمية وتعزيز تواجد الجيش اللبناني وكل القوى والأجهزة الأمنية.
النبطية لا تزال حتى اليوم شبه محاصرة، القوات الإسرائيلية لا تزال متمركزة على تخومها الجنوبية والشرقية، في كفرتبنيت وأرنون ويحمر وزوطر الشرقية، وتواصل ليل نهار أعمال التفجير والقصف من الجو والبر، مستهدفة القرى المجاورة وجارتها النبطية الفوقا التي تقوم فيها أهم المراكز والصروح التربوية الثانوية والجامعية، والتي دمرت فيها قوات الاحتلال "مستشفى غندور" قبالة حرج علي الطاهر، والذي يتألف من 5 طبقات، وكان طوال 45 عاماً يقدم افضل الخدمات الطبية والصحية والعلاجية الى أبناء المدينة والمنطقة.
في حين لاتزال الطريق الرئيسية بين النبطية وجديدة مرجعيون وحاصبيا عبر جسر الخردلي محظورةً، وتمنع القوات الإسرائيلية المرور عليها، علماً أن الطريق بين النبطية وعدد من قرى أقضية مرجعيون وبنت جبيل وصور أعيد فتحها أخيراً بعد بناء عبارات مائية قبالة جسر قعقعية الجسر الذي دمره الطيران الحربي الإسرائيلي.
تزامنت الجولة في النبطية، مع "سوق الاثنين" الشعبية التاريخية والتراثية، حيث بدا المشهد مغايراً للمشهد الذي كانت عليه قبل الحرب الأخيرة. عدد قليل من الباعة وتجار السوق عرضوا بضاعتهم ومنتجاتهم وغالبيتها من الألبسة والبالة والأدوات المنزلية والزراعية، قبالة ركام المنازل والمحلات التجارية المدمرة، وحركة البيع والشراء كانت محدودة وخجولة جداً.
يبادرني أحد الباعة بعد أن شاهدني ألتقط صوراً للسوق، بالقول: "دخيلك يا الله، بدنا زبائن، والدولة مش عم تطلع فينا، وما في أمان بعد، وما منعرف أيمتى بيرجعوا يضربوا النبطية". فيما يتدخل آخر قائلاً: "بدنا أمان وبدنا الدولة تبسط سلطتها ويرجع الجيش ينتشر على الحدود".
ويرى أحد تجار السوق ابراهيم حلاوي أن "اهم شيء هو الأمان والاستقرار وتهدئة البال، أكيد عم نجازف بوجودنا بالسوق، بس شو منعمل بدنا نشتغل وما فينا نستسلم، والحياة بدها تستمر ونحنا مش راح نستسلم، وإن شاء الله ترجع الأيام السابقة وقت كنا نشوف وجوه حلوة من كل قرى المنطقة ومن حاصبيا".
يبقى أن الحديث، عن سوق النبطية منذ تاريخ وجودها قبل أكثر من قرن يطول كثيراً، ويكفي القول إن "سوق الاثنين" في النبطية من أقدم الأسواق الشعبية في الجنوب وأعرقها، وربما أيضاً في لبنان. ففيها يجد المرء كل ما يلزم من"البابوج الى الطربوش"، وكان يتزامن معها سوق الجزارين والحدادين والنحاسين والماشية.
أما المشهد داخل حي السرايا القديمة وبخاصة في السوق التراثية التي تعرضت للتدمير والحرق، فلا يزال أيضاً كئيباً ومحزناً، وقلة من أصحاب متاجر السوق أخذت على عاتقها إعادة إصلاح محلاتها المتضررة وعادت الى مزاولة أعمالها من جديد، فيما ينتظر آخرون استقرار الوضع والحصول على تعويضات .
"المطلوب الدولة تدعمنا وإسرائيل تريحنا"
علي راضي صاحب محل باتيسري في السوق التراثية، يوضح أنه مع توقف الحرب "رجعت نظفت المحل من الخراب، وبلشت الشغل، لازم نثبت وجودنا حتى ترجع النبطية مثل ما كانت، وطبعاً لازم جهد كبير، ومطلوب من الدولة ومن الجمعيات والبلدية تدعمنا حتى نشعر إنو عايشين. وبدنا إسرائيل تريّحنا".
رئيس جمعية تجار محافظة النبطية موسى الحر شميساني، الذي كان أثنى في تصريح على عودة مركز الأمن العام إلى استقبال المواطنين وإنجاز معاملاتهم، معتبراً "أن هذه الخطوة تشكل بارقة أمل جديدة على طريق استعادة المدينة دورها الطبيعي والحيوي، وعودة مؤسساتها الرسمية والإدارية إلى العمل بشكل كامل"، يؤكد "أن وجود المؤسسات والإدارات الرسمية في المدينة يشكل حاجة أساسية وضرورية للأهالي وللقطاع التجاري والاقتصادي على حد سواء".
ويشير إلى أن المدينة "شهدت خلال الفترة الماضية عودة عدد من أبنائها وأهاليها إلى منازلهم ومؤسساتهم ومحلاتهم التجارية، رغم الظروف الأمنية الصعبة والاعتداءات التي طاولت المدينة ومحيطها، الأمر الذي يستدعي مواكبة هذه العودة بخطوات عملية تعيد انتظام الحياة اليومية وتؤمن الخدمات الأساسية للمواطنين".
ويلفت الى أن النبطية "ليست مجرد مركز تجاري واقتصادي لأبنائها، بل هي عاصمة إدارية وحيوية لمحافظة النبطية، وتضم شريحة واسعة من المؤسسات والمرافق التي تخدم أبناء المدينة والقرى والبلدات المحيطة بها".
ويشدد على "أن أبناء النبطية، الذين تمسكوا بمدينتهم وواصلوا الصمود فيها رغم كل الظروف والتحديات، يستحقون أن تستعيد مدينتهم عافيتها ودورها كاملاً"، داعياً إلى "تضافر الجهود الرسمية والأهلية والاقتصادية من أجل استكمال عودة المؤسسات الحكومية والإدارية، بما يفتح الطريق أمام مرحلة جديدة عنوانها التعافي واستعادة النشاط الاقتصادي والاجتماعي والحياة الطبيعية".