ثمة أشياء كثيرة في هذه الحياة تُرى بالعين، لكنّ أثمن ما فيها لا يُرى.
فالناس يرون ملامحنا، ويسمعون كلماتنا، ويعرفون أسماءنا ومواقعنا، وربما يصفّقون لما نُظهره لهم؛ أما ما يسكن في أعماقنا، وما نخفيه حين لا يرانا أحد، فذلك شأنٌ آخر لا يعلمه على حقيقته إلا الله.
ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للإنسان.
حين يعيش المرء بقلبٍ نقيٍّ معلّقٍ بالله، وروحٍ شفّافة لا تحمل ضغينة، ولسانٍ لا يخرج منه إلا خير، ويملك من شجاعة النفس ما يجعله يلومها حين تخطئ، ويفرح للآخرين كما يفرح لنفسه، عندها يكتشف أن السعادة ليست شيئًا نطارده في الخارج، بل نورٌ ينبت في الداخل.
وما أجمل الحياة حين يسكنها الله في القلب.
لقد أخفى الله القبول، حتى لا تغترّ القلوب بما صنعت، وأبقى باب التوبة مفتوحًا، حتى لا ييأس المذنبون، وجعل العبرة بالخواتيم، حتى لا يغترّ أحدٌ بعملٍ يراه عظيمًا، ولا يحكم على إنسانٍ بما كان منه قبل أن يرى كيف تكون نهايته.
فليس كل ما يلمع في أعين الناس له قيمة عند الله، وليس كل من خفت صوته في الدنيا خفت قدره في السماء.
ولو كان الشكل والجسد ميزان التفاضل، لما كانت الروح هي التي تصعد، بينما يبقى الجسد في التراب.
ولو كانت الشهرة عنوان المنزلة، لما كان في الأرض أناسٌ يعرفهم الملايين، وفي السماء لا يكاد يُذكر لهم أثر، ولما كان فيها أناسٌ مجهولون عند الخلق، ولكنهم معروفون عند الخالق.
كم من مشهورٍ في الأرض، مجهولٍ في السماء، وكم من مجهولٍ في الأرض، معروفٍ في السماء.
وهنا يتبدّل السؤال كله:
ليس المهم كم يعرفك الناس، بل أيُّ قدرٍ لك عند الله.
قال تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
فليست القيمة في كثرة الأتباع، ولا في سعة الشهرة، ولا في علوّ المنصب، ولا في قوة الحضور؛ وإنما في قلبٍ يعرف الله، ونفسٍ تخشاه، وعملٍ يصدّق القول، وتقوى تظهر في السر قبل العلن.
لذلك، لا تنشغل كثيرًا بالصورة التي صنعتها في أعين الناس، وانشغل أكثر بالصورة التي تلقى بها الله.
راجع قلبك قبل أن تراجع صورتك، وأصلح سريرتك قبل أن تنشغل بمظهرك، واسأل نفسك، حين تهدأ الأصوات من حولك: ماذا بقي مني لو سقطت عني كل الألقاب، وانصرف عني كل المادحين؟
هناك، في تلك المسافة الخفية بين الإنسان ونفسه، تبدأ الحقيقة.
قد تعيش عمرًا كاملًا ولا يعرف الناس أعمق ما فيك، وقد تمرّ في الدنيا هادئًا لا تملك شهرةً ولا أضواء، لكنك تترك في قلب إنسان أثرًا لا ينساه، أو ترفع عن منكسرٍ وجعًا، أو تستر عيبًا، أو تقول كلمةً طيبة في الوقت الذي كان فيه الآخرون يملكون ألف كلمة جارحة.
تلك الأعمال الصغيرة في أعين الناس قد تكون كبيرة في ميزان الله.
ولعل أعظم ما يتعلمه الإنسان مع مرور العمر أن الله لا يطلب منا أن نكون بلا خطايا، وإنما يطلب منا ألّا نُصرّ عليها، وأن نعود كلما ابتعدنا، وأن نُصلح ما أفسدناه، وأن نظلّ نبحث عن رضاه ما بقي في العمر متّسع للرجوع.
اللهم احفظنا بعزّتك وجلالك من شتات الأمر، ومسّ الضرّ، وضيق الصدر، وعذاب القبر، وحلول الفقر، وتقلّب الدهر، والعسر بعد اليسر، والعقوق بعد البرّ. وامنن علينا، يا ربّنا، بدوام العافية والستر.
اللهم بعزّة اسمك العظيم الأعظم، الذي إذا سُئلت به أعطيت، وبأسمائك الحسنى كلّها، ما علمنا منها وما لم نعلم، أغثنا بفرجٍ قريب، تمنّ به على عبادك، يا سميع يا مجيب.
اللهم أفرحنا ببشرى تذهب عنّا التعب والألم، برحمتك يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين. واختم بالصالحات أعمالنا، فإنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
ثم إن الإنسان، مهما طال به الطريق، سيكتشف في آخر المطاف أن الدنيا كانت أقصر مما ظن، وأن كثيرًا مما شغله عنها لم يكن يستحق كل ذلك العناء. ستسقط الأسماء والألقاب، وتخفت الأضواء، ويهدأ التصفيق، ويبقى ما كان بينه وبين الله.
فلا تجعل همّك أن تكون عظيمًا في أعين الناس؛ اجعل همّك أن تكون صادقًا في عين الله. فهناك، حيث لا تنفع الشهرة ولا الألقاب، تبدأ القيمة الحقيقية للإنسان.