21 ربيع الثاني 1448

الموافق

الإثنين 05-10-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "ذكاءٌ مستتر"!
"ذكاءٌ مستتر"!
القاضي م جمال الحلو
2026-10-04
"ذكاءٌ مستتر"!

هذه القصّة الطريفة سمعتُها من جارنا النجّار محمود فخران، رحمه الله، في حيّنا القديم، حيث وُلدتُ وترعرعتُ في منطقة الصنائع، في شارع ماري عِدّة.

يروي فيقول:

دخل غلامٌ صغيرٌ إلى صالون للحلاقة، فَهَمَسَ الحلاّق للزبون الجالس على الكرسيّ قائلًا:

«هذا أغبى ولدٍ في العالم! انتظر، وسأُثبت لك ذلك».

ثم وضع الحلاّق في إحدى يديه عشرةَ قروش، وفي الأخرى ليرةً واحدة، ونادى الغلام ـ وكان في التاسعة من عمره ـ وعرض عليه المبلغين. فما كان من الغلام إلا أن اختار عشرةَ القروش، وأخذها ومضى.

فقال الحلاّق للزبون:

«ألم أقل لك إنّه غبيّ؟ إنّه يفعل ذلك في كلّ مرّة!».

وعندما خرج الزبون من الصالون، صادف الغلام في الشارع، فدفعه فضوله إلى سؤاله عن فعلته ومعرفة السبب. فتقدّم منه وقال:

ـ لماذا تأخذ عشرةَ القروش في كلّ مرّة، بدلًا من الليرة؟

فأجاب الغلام:

ـ لأنّه في اليوم الذي آخذ فيه الليرة، تنتهي اللعبة. فقليلٌ دائمٌ خيرٌ من كثيرٍ منقطع.

يظنّ بعض الناس، أحيانًا، أنّ الآخرين أقلّ منهم ذكاءً وفطنة، غير أنّ الحقيقة كثيرًا ما تنقلب عليهم، فينكشفون ـ من حيث لا يشعرون ـ عن جهلٍ وقصورٍ في الإدراك، أمام موقفٍ بسيط يفضح أوهامهم ويكشف ما خفي من الحقائق.

ولعلّ الحكمة الأبلغ في هذه الحكاية أنّ الذكاء ليس فيما يبدو للعين، ولا في سرعة الحكم على الآخرين، بل في حسن تقدير العواقب، والقدرة على رؤية ما وراء اللحظة الراهنة. فليس كلُّ ما يبدو قليلًا قليلَ القيمة، ولا كلُّ ما يلمع كثيرًا جديرًا بالاختيار.

فكم من إنسانٍ بسيطٍ في نظر الناس، عميقُ البصيرة في حقيقة الأمر، وكم من متباهٍ بفطنته، أسيرُ ظاهرٍ خادع، يظنّ أنّه يملك زمام الموقف، بينما يكون هو نفسه واقعًا في فخّ الوهم.

والأذكى ليس دائمًا من يختار الأكثر، بل من يعرف متى يختار، وماذا يختار، ولماذا يختار. فالحكمة قد تسكن في قرارٍ يبدو للوهلة الأولى ساذجًا، كما قد يختبئ القصور خلف مظهرٍ من الثقة والادّعاء.

ولعلّ أجمل ما نتعلّمه من هذه الحكاية أن لا نستعجل الحكم على الناس من ظاهر أفعالهم؛ فقد نرى اختيارًا ونجهل سببه، ونسمع جوابًا ولا نعرف ما وراءه، ونظنّ أنفسنا أذكى من غيرنا، ثم تكشف لنا الأيام أنّنا كنا نحن من لم يفهم اللعبة.

ومن جميل ما قيل:

«من أخلاق الجاهل الإجابة قبل أن يسمع، والمعارضة قبل أن يفهم، والحكم بما لا يعلم».

وهكذا، فإنّ الحياة لا تختبر ذكاءنا في قدرتنا على أن نبدو أذكياء أمام الآخرين، بل في قدرتنا على أن نفهم ما وراء الظاهر، وأن نزن الأمور بعواقبها، وأن نعرف قيمة القليل الذي يدوم، بدل الكثير الذي يزول.

فليس كلُّ من أخذ الأقلَّ خاسرًا، ولا كلُّ من اختار الأكثر رابحًا؛ فالعبرة ليست بحجم ما نأخذ، بل بما يبقى منه.

جنوبيات
أخبار مماثلة