22 ربيع الثاني 1448

الموافق

الثلاثاء 06-10-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة هل عادت الدولة إلى الإمساك بالمبادرة؟
هل عادت الدولة إلى الإمساك بالمبادرة؟
صلاح سلام
2026-10-05
هل عادت الدولة إلى الإمساك بالمبادرة؟

 

ليست المسافة بين نيويورك وواشنطن والنبطية مجرد آلاف الكيلومترات، بل هي المسافة الفاصلة بين دولة تفاوض على سيادتها في الخارج، ودولة مطالبة بإثبات وجودها وقدرتها على أرضها. وبين المنابر الدولية ومدينة أنهكتها الحرب، برز سؤال لم يعد يحتمل الإجابات الملتبسة: هل خرجت الدولة اللبنانية أخيراً من موقع المتفرِّج على مصيرها، وبدأت تمسُّك بزمام المبادرة، أم أن حركتها الأخيرة ستبقى جولة جديدة في مسلسل الوعود المؤجلة؟

فبعد سنوات كان القرار اللبناني خلالها موزعاً بين عواصم الخارج وحسابات المحاور، حمل رئيس الحكومة نواف سلام إلى الولايات المتحدة خطاباً يقول إن لبنان يريد أن يفاوض باسمه، وأن يستعيد أرضه وأسراه وسيادته وفق أجندة وطنية لا ترتبط بشروط إيران ولا بإيقاع حروبها. ثم عاد من واشنطن إلى النبطية، لا ليكرر المواقف السياسية فحسب، بل ليضع الدولة أمام امتحانها الأصعب: أن تثبت للجنوبيين أن حضورها لا يقتصر على القوى الأمنية والخطب، بل يمتد إلى الإعمار والخدمات والحماية والعودة الكريمة.

من هنا، لا تُقاس أهمية التحرك الأخير بعدد اللقاءات أو بحرارة الاستقبال، بل بقدرته على نقل الدولة من موقع المطالِب إلى موقع المبادر، ومن إعلان السيادة إلى ممارستها، ومن تعداد حاجات الجنوب إلى الشروع الفعلي في تلبيتها


ومن هذه الزاوية، يكتسب التمسك بالتفاوض المباشر أهمية استثنائية. فالمفاوضات لا تعني التنازل عن الحقوق، ولا تشكل خروجاً على الثوابت الوطنية، بل هي وسيلة الدولة لاستعادة الأرض والأسرى والاستقرار بأقل الأكلاف. المطلوب أن يتولى وفد لبناني رسمي التفاوض وفق أجندة لبنانية خالصة، لا أن يبقى مصير الجنوب معلقاً على نتائج المواجهة الأميركية ــ الإيرانية، أو على ما تقرره طهران في مفاوضاتها وشروطها الإقليمية.

وفي لقاء واشنطن، طُرح الانتقال من العموميات إلى تفعيل الإطار الثلاثي، ووضع جدول زمني واضح لتنفيذ الالتزامات، وإنشاء آلية تحقق «المبادلة»، أي تواكب الانسحاب الإسرائيلي وبسط سلطة الدولة وحصرية السلاح. وهذا هو الامتحان الحقيقي لأي رعاية أميركية: الضغط الفعلي على إسرائيل لوقف اعتداءاتها والانسحاب من الأراضي اللبنانية، لا الاكتفاء بتكرار عبارات الدعم والاستقرار. 

أما في النبطية، فقد انتقل الخطاب من الدبلوماسية إلى هموم الناس المباشرة. فالدولة لا تستعيد سيادتها بمجرد رفع العلم فوق المؤسسات، بل حين يجد المواطن إدارة تعمل، ومستشفى يستقبله، ومياهاً وكهرباء واتصالات وطرقاً صالحة، وحين يشعر النازح بأن عودته ليست شعاراً مؤجلاً إلى أجل غير معلوم.


إعلان إطلاق 23 مناقصة، والتحضير لاثنتي عشرة مناقصة إضافية، تشمل ترميم المستشفيات وتأهيل محطات الكهرباء وشبكات المياه، إلى جانب إعادة تشغيل عدد من المرافق الرسمية والأمنية، يشكل بداية عملية مطلوبة. غير أن المناقصات لا تعيد إعماراً ما لم تتحول سريعاً إلى ورش، والأرقام لا تبني ثقة ما لم يرَ الجنوبي نتائجها في حياته اليومية. 

ومن الإنصاف الاعتراف بأن إمكانات الدولة محدودة، وأن حجم الدمار يفوق قدراتها، وأن العدوان الإسرائيلي المتواصل يعرقل العودة والإعمار. لكن هذه الحقائق لا يجوز أن تتحول إلى ذريعة للبطء أو التردد. المطلوب إدارة طوارئ فعلية، ورقابة صارمة على الإنفاق، ومهل واضحة للتنفيذ، وحشد عربي ودولي يستند إلى مشاريع مدروسة، لا إلى نداءات استغاثة موسمية.

لقد أحسن الخطاب الرسمي في الربط بين السيادة والرعاية الاجتماعية. فالجنوبي لا يحتاج فقط إلى من يدافع عن أرضه، بل إلى دولة تحمي منزله، وتعالج أبناءه، وتعيد مدرسته ومصدر رزقه، وتمنع استخدام قريته ساحةً لحروب الآخرين. ولا يمكن مطالبة المواطنين بالالتفاف حول الدولة إذا كانت الدولة بعيدة عن معاناتهم أو بطيئة في تلبية حاجاتهم.

هل عادت الدولة إذاً إلى الإمساك بالمبادرة؟ الجواب الدقيق أنها خرجت من مقعد المتفرِّج، لكنها لم تمسك بعد بكل خيوط القرار. لقد بدأت تستعيد لغتها ودورها وحضورها، إلا أن الطريق بين استعادة الخطاب واستعادة السيادة ما زالت طويلة ومحفوفة بالألغام السياسية والأمنية.

المعادلة باتت حاسمة: إما دولة تمتلك قرارها وتحمي حدودها وتحتضن أبناءها، وإما ساحة مفتوحة يتفاوض الآخرون على حسابها، ويقررون متى تشتعل ومتى تهدأ. فلبنان لم يعد يحتمل دولة نصف حاضرة، ولا سيادة بالتقسيط، ولا جنوباً يُطلب من أهله الصمود، فيما يبقى مصيرهم رهينة حروب الآخرين.

لقد بدأت مسيرة استعادة المبادرة، لكن الامتحان لم يُحسم بعد.

أخبار مماثلة