23 ربيع الثاني 1448

الموافق

الأربعاء 07-10-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

ثقافة وفن ومنوعات ثقافة ماذا يبقى من أمل دنقل؟
ماذا يبقى من أمل دنقل؟
2026-10-06
ماذا يبقى من أمل دنقل؟

 

في أثناء متابعتي ندوة أدبية أقامتها مؤخرا ورشة الزيتون الثقافية بالقاهرة، حول أثر أمل دنقل وتجربته في الشعر العربي المعاصر، قفزت إلى ذاكرتي مشاهد من الأيام الأخيرة التي أمضاها الراحل في الغرفة رقم ٨ بالمستشفى القومي للأورام. كانت ملامح النهاية حاضرةً في الأجواء؛ في جسده الهزيل الذي أنهكه المرض، وفي الوجوه الحزينة التي أخذت تتردد عليه، وفي ذلك الإحساس الثقيل بأن الوقت المتبقّي صار محدوداً. ومع ذلك ظل أمل متشبّثاً بما تبقّى له من حياة، وظل الشعر «حيلته الأثيرة» التي يحاول بها تأجيل النهاية، ولو إلى حين.

وفي مقاله الاستذكاري «ذكرى أمل دنقل»، المنشور ضمن كتابه «عوالم شعرية معاصرة» الصادر عن منشورات مجلة «العربي» الكويتية عام ٢٠١٢، يعود جابر عصفور إلى تلك الأيام، مستعيداً تفاصيل عاشها إلى جوار الشاعر في مرضه الأخير؛ تفاصيل تتنقل بين غرفة المستشفى، والأصدقاء الذين أحاطوا بأمل، والوصية التي تركها، والرحلة التي بدأت من القاهرة وانتهــت في الأقصر.

كان الجميع قد أيقن أن كل الدفاعات التي توسل بها صاحب «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة»، في رحلة صموده أمام المرض، توشك على النفاد بين ساعة وأخرى. إلّا أن أمل لم يدع الموت يأتيه من دون ترتيب مسبق؛ أعدّ للأمر بطريقته الخاصة، فأعطى عصفوراً مبلغاً من المال، وأوصاه بأن ينفق منه على تكاليف جنازته، وأن يرافقه إلى مثواه الأخير أصدقاؤه الذين سمّاهم بالاسم، مع حرصه على أن يسافروا معه إلى الأقصر بالطائرة من دون أن يتكلف أحدهم مليماً؛ كإنما أراد، حتى في رحيله، أن يظل قريباً ممن أحب.


نفذ الأصدقاء وصية أمل الأخيرة كما تركها لهم. استقلوا الطائرة إلى الأقصر، دون أن يتحمّلوا شيئاً من نفقات الرحلة، ومضوا برفقته إلى المكان الذي وُوري فيه الثرى. وكانت تلك آخر صحبة جمعتهم به؛ صحبة وداع لا يعود بعدها صاحبها.

لكن حتى الجنازة لم تخلُ من ظلال ذلك الزمن. فقد نُشرت أسماء عدد من أصدقاء أمل في النعي الذي أعقب وفاته. ويروي جابر عصفور أن الكاتب إبراهيم الورداني كتب مقالاً يحرّض فيه الأجهزة الأمنية على اعتقالهم، واصفاً إياهم بأنهم «خلية شيوعية». وهكذا لم يكن الأصدقاء، وهم يمضون خلف جنازة صاحبهم، يواجهون حزن الرحيل وحده؛ كان هناك أيضاً مناخ سياسي قادر على أن يحوّل أسماء الواردين في نعي شاعر راحل إلى موضع اتهام وملاحقة.

وفي قلب هذه الذاكرة يستعيد عصفور مشاهد مؤثرة تُظهر كيف واجه أمل المرض بالشعر، ومنها إطلالته الأخيرة على مسرح مهرجان الإبداع الشعري، في دورته الثانية. فقد أصرّ على الذهاب إلى المهرجان، رغم تدهور حالته الصحية، وكان مقرراً أن تُلقى القصائد في أحد مسارح شارع قصر العيني. لم يكن حضوره مجرد مشاركة عابرة؛ بل كان أشبه بوداع أخير للشعراء والجمهور والمنبر الذي طالما اعتلاه. وقف أمل أمام الميكروفون، بجسد واهن وصوت خفيض، ثم أخذ يستعيد شيئاً من قوته كلما مضى في قصيدة «لا تصالح» التي طلبها منه أصدقاؤه؛ حتى بدا، وقد أثقله المرض، كأنه استعاد للحظات قبساً من أمل الحياة الذي لم يتخلَّ عنه.

بعد ذلك المشهد بوقت قصير، رحل أمل دنقل عن دنيانا بعد معاناة مع مرض عضال، حاول بكل ما أوتي من أسباب البقاء أن يصدّ عدوانه السافر، جاعلاً من ضعفه الجسدي طاقةً أخرى للكلمة. فماذا تبقّى من الشاعر الراحل بعد كل هذه السنوات؟ لعلّ ذلك هو السؤال الأهم الذي يمكن أن نطرحه ونحن نستحضر هذه المشاهد اليوم.

ومع علمنا بأن سؤالاً كهذا يحتاج إلى تأمّل أوسع، وإجابة لا تُستنفد في هذه العجالة، فإن أهم ما يبقى من أمل دنقل هو ذلك الامتزاج النادر بين الشعر والموقف، بين حرارة التجربة وصدق الكلمة، بين الجرح الشخصي والوعي الجمعي الذي جعل قصائده تتجاوز مناسبة كتابتها لتستقر في الذاكرة العربية بوصفها نصوصاً حية لا تفقد قدرتها على الإرباك والتأثير. لم يكن دنقل يراهن على الزخرف اللغوي أو اللمعة العابرة، بل كان يكتب وهو يختبر حدود الحياة نفسها، ولذا جاءت قصيدته مشحونة بما يشبه الوصية الأخلاقية: أن يقول الشاعر ما يراه حقاً، وأن يواجه العتمة بالكلمة لا بالمهادنة. وهذا ما يجعل حضوره اليوم أكثر من مجرد استعادة لاسمٍ رحل؛ إنه استدعاء لصوت لم يساوم، ولضمير شعري ظل يقاوم حتى آخر لحظاته. ومن «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» إلى «أوراق الغرفة رقم ٨»، يبقى هذا المنجز قادراً على التأكيد بأن الشعر حين يُخلص لصاحبه ولعصره معاً، يستطيع أن يظل حيّاً بعد الجسد، ويواصل عمله في الوجدان.. تماماً كما لو أنه يُكتب الآن.

أخبار مماثلة