24 ربيع الثاني 1448

الموافق

الخميس 08-10-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم 3 سنوات على حرب الإبادة.. آن أوان المراجعة دون تردد
3 سنوات على حرب الإبادة.. آن أوان المراجعة دون تردد
وليد العوض
2026-10-07
3 سنوات على حرب الإبادة.. آن أوان المراجعة دون تردد

ثلاث سنوات مرت على السابع من أكتوبر 2023، ثلاث سنوات من حرب الإبادة والدمار والمجاعة والنزوح، وما زال القتل مستمرًا، وثلاث سنوات من التحولات السياسية الخطيرة التي طالت القضية الفلسطينية ومستقبلها. ومع ذلك، لم تُجرَ حتى الآن مراجعة وطنية جدية ومسؤولة، لا لما جرى صبيحة السابع من أكتوبر، ولا لما ترتب عليه وما نعيشه وتعيشه المنطقة برمتها، ولا للأداء السياسي الفلسطيني الذي رافق الحرب وأدار تداعياتها.
المراجعة هنا ليست محاكمة للنوايا، ولا انتقاصًا من تضحيات شعبنا الذي دفع ثمنًا باهظًا، وإنما ضرورة سياسية ووطنية. فمن حق الشعب الفلسطيني أن يعرف: ماذا جرى؟ وفي أية غرف نُسجت تفاصيله، خاصة في ضوء التسريبات المثيرة التي نُشرت مؤخرًا؟ ماذا كان محسوبًا وما الذي لم يكن محسوبًا؟ وكيف أُديرت الحرب سياسيًا؟ ولماذا لم نتمكن، طوال هذه السنوات، من بناء موقف فلسطيني موحد يحمي قضيتنا من التداعيات المتراكمة؟

كلفة الحرب.. مجتمع بأكمله يدفع الثمن
ثلاث سنوات من الحرب لا تختصرها أرقام الشهداء والجرحى والدمار، رغم فداحة ما تعنيه. فقد تركت الحرب آثارًا عميقة في بنية المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة، وأنتجت واقعًا إنسانيًا واجتماعيًا سيظل حاضرًا لعقود.
فقد تجاوز عدد الشهداء 74 ألفًا، فيما لا يزال آلاف المفقودين تحت الركام، وسقط عشرات الآلاف من الجرحى. وأظهرت أحدث البيانات الفلسطينية أن نحو 82% من مباني قطاع غزة تضررت، بما يقارب 201,290 مبنى، بينها 134,422 مبنى دُمّر بالكامل، فيما بلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة نحو 328,627 وحدة.
والأشد قسوة ما أصاب الأسرة الفلسطينية نفسها. فقد خلفت الحرب 71,846 طفلًا فقدوا أحد والديهم أو كليهما، و64,413 امرأة ترملن، فيما ارتفع عدد الأسر التي تعيلها نساء إلى نحو 86 ألف أسرة. كما بلغ عدد الأشخاص من ذوي الإعاقة والمرضى 16,963 شخصًا، ووصل عدد الأسر النازحة إلى 258,927 أسرة، فيما واجه أكثر من 1.2 مليون شخص مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي.
هذه ليست مجرد أرقام؛ إنها صورة لمجتمع فقد أبناءه ومعيليه وبيوته ومصادر رزقه، ولجيل كامل سيدفع لسنوات طويلة ثمن ما جرى. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل أُجريت مراجعة سياسية تتناسب مع حجم هذه الكلفة؟

أين كان القرار الفلسطيني؟
من أبرز المسائل التي تستحق التوقف عندها هو التهرب من تشكيل وفد فلسطيني موحد ينبثق عن منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، ليتولى إدارة المسار السياسي والتفاوضي في كل ما يتعلق بالحرب ووقفها وما بعدها، رغم المطالبة بذلك منذ بداية الحرب.
لم يكن المطلوب أن تتخلى أي جهة عن مواقفها أو رؤيتها، بل أن تجتمع الإرادة الفلسطينية تحت مظلة وطنية جامعة. ومنذ الأيام الأولى للعدوان، ومع بدء البحث تحت النار عن مسار سياسي يطفئ لهيب الحرب، كان المطلوب وجود وفد موحد يحمل موقفًا وطنيًا جامعًا أمام الأطراف العربية والإقليمية والدولية.
لكن غياب هذا الوفد أضعف القدرة الفلسطينية على إدارة المرحلة، وترك فراغًا سياسيًا جرى ملؤه تدريجيًا بأطراف ومشاريع دولية وإقليمية، الأمر الذي ساهم في نقل مركز القرار بشأن مستقبل غزة من الإطار الفلسطيني إلى دوائر أخرى.

من الحرب إلى خطر الوصاية
هنا تتضح خطورة المسار الذي وصلنا إليه. فبعد ثلاث سنوات من الحرب، لم يعد الخطر محصورًا في آثار الدمار، بل باتت هناك ترتيبات ومشاريع لإعادة صياغة الوضع السياسي والإداري لقطاع غزة.
فقد أُنشئ بالفعل ما يسمى «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأُسند إليه دور في الإشراف على تنفيذ الخطة الخاصة بغزة وإعادة إعمارها وترتيبات المرحلة الانتقالية، بالتوازي مع آليات فلسطينية تكنوقراطية لإدارة القطاع.
وهنا يطرح السؤال نفسه: كيف وصلنا إلى أن يصبح مستقبل غزة وإعادة إعمارها وإدارتها موضوعًا لآليات دولية، بدل أن يكون القرار الفلسطيني صاحب الدور المركزي فيها؟
إن الخطر لا يكمن فقط في التهجير المباشر؛ فالتهجير يمكن أن يأخذ أشكالًا أخرى: جعل الحياة غير قابلة للاستمرار، تدمير مقوماتها، إطالة أمد النزوح، أو ربط إعادة الإعمار بترتيبات سياسية وأمنية تنتقص من القرار الوطني الفلسطيني، وهذا ما نعيشه اليوم في قطاع غزة، ولا يجوز تجاهله أو التقليل من خطورته.
والأخطر أن يجري إخراج غزة من المشروع الوطني الفلسطيني سياسيًا، حتى لو بقي أهلها على أرضهم جغرافيًا.

المطلوب.. مراجعة تستعيد المبادرة
لا يمكن مواجهة هذا الخطر بالخطابات وحدها. المطلوب إجراء مراجعة وطنية شاملة لا تستثني أحدًا؛ مراجعة لما جرى في السابع من أكتوبر، ولمجريات الحرب، وللأداء السياسي الفلسطيني، ولطريقة إدارة المرحلة، وللنتائج التي أوصلتنا إليها.
فالمراجعة ليست إدانة لأحد، ولا تنكرًا لتضحيات شعبنا الذي يدفع الثمن، ولا انتقاصًا من حقه في مواصلة كفاحه حتى إنهاء الاحتلال، وإنما هي ضرورة لاستعادة القدرة على التعلم وتصحيح المسار ومنع تكرار الأخطاء.
وفي الوقت نفسه، لا بد من استعادة المبادرة السياسية الفلسطينية، وتوحيد القرار الوطني، وتشكيل وفد فلسطيني موحد يمثل المجموع الوطني، بما يضع مستقبل غزة ضمن الإطار الوطني الفلسطيني، لا ضمن مشاريع الآخرين.
فغزة جزء لا يتجزأ من أرض دولة فلسطين، والضفة الغربية والقدس وغزة وحدة سياسية وجغرافية ووطنية واحدة. وأي ترتيبات تتجاوز هذه الحقيقة، أو تنتزع القرار الفلسطيني من أصحابه، لا ينبغي أن تكون بديلًا عن القرار الوطني الفلسطيني المستقل.
ولهذا فإن تفعيل دور منظمة التحرير على أسس ديمقراطية، وتوحيد المرجعية الوطنية، وإنهاء حالة الانقسام، أصبحت شروطًا لحماية المشروع الوطني ومنع تحويل التضحيات الهائلة التي قدمها شعبنا إلى مدخل لتصفية قضيته أو الانتقاص من حقوقه الوطنية، ونتطلع جميعًا إلى أن تكون جولة الحوار التي يجري التحضير لها فرصة لتحقيق ذلك.
بعد ثلاث سنوات، آن الأوان ألا نكتفي بعدّ الشهداء والركام، بل أن نمتلك شجاعة عدّ الأخطاء وتصحيحها. فالمراجعة الوطنية اليوم ليست ترفًا ولا جلدًا للذات؛ إنها ضرورة لحماية شعبنا واستعادة قراره وإفشال مخططات التهجير والفصل والوصاية، قبل أن يتحول ما أفرزته الحرب إلى واقع سياسي دائم.

جنوبيات
أخبار مماثلة