بدأت وسائل إعلامية مرئية ومواقع أخبارية وحتى بعض الصحف اليومية، تعتمد على الذكاء الاصطناعي في تقاريرها الاخبارية الحيّة وصورها والنقاشات المفترضة حول موضوع معيّن، سياسي أو مالي أو اقتصادي أو معيشي أو اقتصادي أو أمني أو قضائي، ونجحت الفكرة من حيث الشكل وإيصال المضمون الى المشاهد أو القارئ، لكن الإعلام اللبناني قلّما تطرق الى مخاطر الذكاء الاصطناعي على الوضع السياسي والأمني الوطني العام، وعلى المجتمع وتفكك العائلة والعبث بأفكار الناشئة والمراهقين والشباب غير المنضبط، وانحصر أكثر الحديث عن المخاطر حول تأثير الذكاء الاصطناعي على تراجع التوظيف.
الذكاء الاصطناعي أداة قوية جداً، وقوته هي نفسها مصدر خطره. لأن الخطر الحقيقي منه أبسط وأقرب: فهو حسب الدراسات العلمية بلا ضمير ولا فهم حقيقي. هو يقلد كلامنا ببراعة، لكن لا يفهم معنى كلمة «صح» أو «غلط» أو «أذى». إذا عطيته بيانات متحيزة سيعطيك قرارات متحيزة. إذا استخدمه إنسان بنيّة سيئة سيعطي معلومات عن أفعال بنيّته السيئة. لذلك فالخطر هو من الإنسان الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي، في ترويج أخبار كاذبة وصور مزيفة مقنعة جداً وقرارات مصيرية إذا تُركت لآلة بدون رقابة. عدا فقدان وظائف إذا الشركات استبدلت البشر بسرعة بدون خطة. لهذه الأسباب وجود الإنسان ضروري دوماً لإدارة هذا الذكاء غير الخارق بل الببغائي.. فالإنسان هو المصدر الذي يحدّد الهدف والقيم، وهو المراقب الذي يراجع النتائج ويصحح الأخطاء. وهو المسؤول الذي يتحمّل نتيجة القرار والنتائج وليس الآلة.
خطر الذكاء الاصطناعي يطال كل شيء. حتى القيم الأخلاقية وضمير الإنسان، والعائلة والمجتمع والوطن. لذا يجب وضع تشريعات قانونية بمعايير ملزمة وعقوبات قاسية على من يستخدم الذكاء الاصطناعي بطريقة خاطئة أو مؤذية.. فمن يحمي أولادنا؟ من يحاسب إذا حصل تزوير أو ترويج شائعات بحق أي جهة؟ فعند غياب المعايير الملزمة، تتفكك العائلة لأن الولد أصبح يقضي وقته مع مساعد وهمي أكثر مما يتفاعل مع أهله، والمحتوى الذي يصله لا يراقبه أحد. والمجتمع ينقسم لأن كل فرد أصبح يعيش في فقاعة معلومات خاصة فيه، الذكاء الاصطناعي يعطيه ما يعجبه فلا تعود هناك لغة مشتركة بين الناس. والوطن يضعف لأن الثقة تنهار. إذ أصبح بالإمكان تزوير نتائج الانتخابات أو صوت رئيس ومسؤول أو بيان أمني بدقيقة واحدة، فكيف نحافظ على التماسك الوطني؟
لذا فكثيرون من صحافيي العالم يطالبون بالضوابط والمعايير والقوانين. وهي 3 مستويات:
المسؤولية تحت طائلة القانون على المُطوّر: هو مُلزم أن يكشف أن المحتوى الذي يقدمه مصنوع بالذكاء الاصطناعي، ومُلزم بمنع النموذج من إنتاج محتوى خطر.
الشركة التي تنشره: مُلزمة بحفظ سجل للمحتوى، وتحترم خصوصية الناس، ولا تبيع بيانات العائلة.
على المستخدم: هو حر بأن يستخدم الذكاء الاصطناعي، لكن يجب أن يكون مسؤولاً قانونياً إذا استخدمه للأذى، للتزوير، للتشهير، للابتزاز. وإلّا نكون كمن يُعطي سلاحاً قوياً من دون رخصة تدريب.
الذكاء الاصطناعي لم يعد تكنولوجيا بعيدة، صار داخل بيتنا، ومدرستنا، ومستشفانا. لكن إعلامنا لا يزال يتعامل معه كخبر تقني، بينما الخطر الحقيقي هو أخلاقي وقانوني ووطني. لذا يجب وضع تشريعات قانونية ومسودة مدونة سلوك في لبنان للسياسي والصحافي والمطور أو عند استخدام أي شخص أو جهة الذكاء الاصطناعي، بما يضمن:
الشفافية واجبة: أي صورة أو نص أو صوت مصنوع بالذكاء الاصطناعي يجب التصريح عنه بوضوح للقارئ.
التحقق المزدوج: لا يجوز نشر معلومة طبية أو أمنية أو سياسية مصدرها الوحيد ذكاء اصطناعي.
حماية الخصوصية: يمنع استخدام بيانات صحية أو عائلية خاصة لتدريب أو توجيه النماذج.
- المسؤولية البشرية قانوناً عن المحتوى، حتى لو كتبه الذكاء الاصطناعي.
- عدم التلاعب. يُمنع استخدام الذكاء الاصطناعي لتزوير أو فبركة تصريحات أو لاستهداف فئة من المجتمع.
المطلوب اليوم من الدولة اللبنانية: قانون يرخص استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحسّاسة (صحة، إعلام، انتخابات، أمن) تحت طائلة الملاحقة. ومن المرجعيات الدولية ميثاق دولي ملزم مثل ميثاق جنيف يحدّد من المسؤول عند الخطأ. ومن النقابات المحلية دورة تدريبية إلزامية لكل مستخدم حول الاستخدام الأخلاقي. يجب أن تكون هناك معايير وشروط ملزمة تحت طائلة الملاحقة القانونية لكل من يستعمل الذكاء الصناعي وإلا سينهار المجتمع والتماسك العائلي والوطني. لسنا ضد التطور، نحن مع تطور محمي. القانون هو الإشارة الحمراء، ومدونة السلوك هي الضمير. بدون الاثنين معاً، سنخسر أغلى ما نملك: ثقة العائلة ببعضها، وتماسك الوطن.