10 جمادى الأولى 1448

الموافق

الخميس 22-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة تأمّلات في المسألة اﻟ"نوبليّة"
تأمّلات في المسألة اﻟ"نوبليّة"
فؤاد مطر
2026-10-22
تأمّلات في المسألة اﻟ"نوبليّة"

فوَّتت نافي بيلاي إبنة جنوب أفريقيا على الرئيس دونالد ترمب فرصة حلْمه بأن تكون جائزة «نوبل للسلام» للعام 2026 من نصيبه، ذلك أن الجائزة إستقرت عندها تقديراً لضميرها الحي حيث كان لها بصفة كونها قاضية في محكمة العدل الدولية دور محوري في ضمان محاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وكذلك ارتكاب جُرْم الإبادة الجماعية، وهي في مجملها ترتكبها في الدرجة الأُولى حكومة نتنياهو مشمولاً بحليفيْه بن غفير وسموتريتش اللذين يتباهيان بفعل الإبادة والتدمير والتجويع كما رئيسهما الحكومي بنيامين نتنياهو. وفي البيان الذي ألقتْه في نورمبرغ (إحدى المدن الألمانية) تعليقاً على منحْها الجائزة قالت «إن هذه الجائزة تعزز قناعتي بضرورة أن نقف معاً دفاعاً عن سيادة القانون ودفاعاً عن استقلالية المحاكم وعن نظام قانوني دولي قائم على المبادىء...».

ومِن الطبيعي أن هذا الكلام لا يرتاح له كل مَن عبث باستقلالية القضاء واحترام العدالة، وبالذات ترمب ونتنياهو ومَن حولهما، ونجد الرئيس الأميركي عِوضَ احترام الجائزة والقاضية العادلة التي نالتها، فإنه وبدافع الغيظ مِن تفويت مأربه نيْل الجائزة أجاز لنفسه كرئيس للدولة العظمى القول يوم الجمعة 10 تشرين الأول 2026 في تغريدة لمجرد إعلان النتائج «إن لجنة «نوبل» ألحقت العار بنفسها إلى حد لا يمكن إصلاحه وحطَّت مِن قدْر جائزة «نوبل» للسلام التي كانت عظيمة ذات يوم، وذلك بمنْحها الجائزة ﻟ نافي بيلاي الكارهة بلا خجل لأميركا وإسرائيل، وفي منصبها احتفلت بالإرهابيين وكافأت حماس...». وأما وزارة الخارجية الإسرائيلية في شخص وزيرها جدعون ساعير فإنها أصدرت بياناً لا تختلف مفردات عباراته عن عبارات تعليق الرئيس ترمب، حيث جاء في البيان «لو كانت هناك جائزة للكَذب والكراهية وافتراءات الذم لما كانت نافي بيلاي مجرد مرشحة، بل المرشحة الأوفر حظاً وأن دورها في الترويج لِكذْبة الإبادة الجماعية يتحدث عن نفسه وإن جوزف جوزف غوبلز يصفِّق مِن الجحيم...». لكن الرد على هذا اﻟ ساعر جاء مِن أحد بني قومه الذي بدافع ضميري وعدم اقتناع برد الفعل الرسمي. والرد المشار إليه عبارة عن مقالة في صحيفة «هارتس» عدد الأحد 11 تشرين الأول 2026 قال فيها كاتُبها جدعون ليفي رداً على بيان وزير الخارجية: «لا يا ساعر. غوبلز لا يصفِّق بل يتقلب في قبره عندما يدرك أن امرأة مثْل بيلاي وهي قاضية تاميلية هندية صلبة مِن جنوب أفريقيا حاكمت مجرمين إرتكبوا جرائم ضد الإنسانية بعد عهد غوبلز وناضلت ضد العنصرية في بلادها وفي العالم. وإذا كان لدى غوبلز للتصفيق فهو عندما يرى ما حلَّ بالدولة التي قامت من رماد المحرقة...». ثم يضيف « ما دامت إسرائيل غير مستعدة للنظر في أفعالها والإعتراف، ولو بجزء من جرائمها، فلن تتغيّر قَط. وما دامت تواصل إدانة كل مَن ينتقدها في العالم بفظاظة، على غرار فظاظة ساعر، فستظل منبوذة. وكم كان يمكن أن يكون الردّ الإسرائيلي مختلفاً، وجميلاً ونبيلاً لو كان في وسْع إسرائيل أن تهنّئ بيلاي، وأن تنحني احتراماً وتقديراً لجهودها، حتى لو كانت ترى أنها بالغت في انتقاد إسرائيل، وأنها عاملتْها بقسوة أكثر مما تستحق...». كأنما الكاتب يخاطب أيضاً بذلك الرئيس ترامب.

وإذا كانت بيلاي المرصَّع تاريخها ﺒ جائزة «نوبل للسلام» تغلبت على عوائق فوزها، فإن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لم يَسْلم مِن الإيذاء المعنوي حيث أن 82 دولة مِن أصل 125 أعضاء في المحكمة وفي جلسة تصويت سرية صوَّتوا قبْل شهريْن لصالح عزْله، وبذلك يصبح كريم خان أول مدَّع عام يُعزل مِن منصبه منذ تأسيس المحكمة الجنائية الدولية عام 2002. وطبعاً إن الضغوط الأميركية والإسرائيلية هي وراء العزل غير العادل.

تبقى كلمة حق يراد بها منطق الأمور وليس غير ذلك وهي أننا افتَقدْنا في لبنان الذي يندرج جنوبه وبعض بيروته وعموم شعبه بنِسًب متفاوتة في خانة ما تفعله إسرائيل وعلى نحو ما تقترفه في بلدات الضفة الغربية وقبْل ذلك وما زال في غزة، بيان ترحيب بفوز القاضية نافي بيلاي بجائزة «نوبل للسلام» بالذات مِن صِنوها في القضاء الدولي نوَّاف سلام الذي ربما لو بقي محلِّقاً في الفضاء الدولي للقانون ومحاكمة مقترفي الجرائم ضد الأوطان والمواطنين، بدل أثقال ومتاعب ترؤس حكومة لم تثمر تسوية ولا حواراً جامعاً ولا وفاقاً في الحد الذي يصون البلاد والعباد، لكان هو الآخر سيحظى بالترشح لجائزة «نوبل للسلام». وفي هذه الحال تصبح الأمة المغلوب على أمرها عناداً وتحديات وتحزبات ومقاومة خارج السياق الرسمي، صاحبة الفوز ﺒ «نوبل» مرتين: الأولى تلك التي نالها الروائي المصري الطيِّب الذِكر نجيب محفوظ والثانية التي كان يمكن أن يحظى بها نوَّاف سلام.

ومَن صَبَر ظفَر.

جريدة اللواء
أخبار مماثلة