«المثل الشعبي طريقة غير مباشرة في التعبير، محكمة الألفاظ، قليلة الكلمات.. وهو نوع من الذاكرة الصوتية المتناقلة لإظهار هوية مجتمعٍ ما.. وكان للمرأة الشامية الدمشقية أهمية خاصة في حفظ هذه الذاكرة الصوتية، إذ برزت سيدات يتمتعن بالذاكرة الشفهية للحفاظ على التقاليد في التراث الصوتي الإجتماعي [...] - الأديبة الدمشقية ناديا الغزي».
وها هي الكاتبة محاسن شبارو وماريا أرناؤوط خير معبَر عن تلك المَلَكَة في حفظ ما تختزنه الذاكرة الدمشقية التي تحفل بأروع وأدق ما تناقلته الأجيال من أمثال في المجتمع الشامي... وقد أودعتاه هذا الكتاب الذي ضمَّ بين دفتيه مجموعة تلك الأمثال الشامية... وتبحر وكقارئ في بحورها... ولتمخر عباب الزمن والتاريخ وعباب تراثٍ عابقٍ بأجمل ما جادت به قرائح إنسان استطاع وبمهارة صياغة أعمق المعاني بأدق الألفاظ.. بعبارات وبكلمات هي خير ما قلَّ ودلَّ. استحضرت تلك الأمثال مواضيع حياتية عديدة.. عن الحماية والكنة: «الحماية اللي بتحب الكنة إلها كرسي في الجنة»، وعن الحب: «قال شو فوّتك لبيت عدوَّك؟ قال له: محبي جواته»، وعن الزواج: «المتجوِّز طالع عتَّال ونازل زبَّال».. وعن الأهل والأبناء: «لا ترمي الحبل لإبنك بيشنق حاله فيه»، «مين أدَّب أولاده كاد حسَّدو»، وعن الكرم والأخلاق: «مدّ إيدك على عبَّك، خلي ربَّك يحبك»... ومواضيع أخرى كثيرة وكلها تحكي بعبارة أو بأخرى واقع الحياة، وخاطرة.. هل من الممكن اعتبار هذا النمط الأدبي يتضمن في بُعدٍ من أبعاده.. فلسفة حياة؟!!! ومن ناحية أخرى والملفت ما استُهِلَّت به مجموعة تلك الأمثال الشامية ما تضمن «من أجمل ما قيل في دمشق» ما جادت به قرائح شعراء... وكتَّابٍ تغنّوا بها... ومؤرخين تحدثوا عنها.. ومن كلٍّ تفوح رائحتها العابقة بالياسمين... قال أمير الشعراء أحمد شوقي: «آمنت بلله واستثنيت جنته.. دمشق روحٌ وجناتٌ وريحان»، وقال المؤرّخ والجغرافي ياقوت الحموي: «هي جنة الأرض، ولم توصف الجنة بشيء إلَّا في دمشق مثلها» [...]ٍ