لم تنشأ الدعوات الإسرائيلية إلى الاستيطان في جنوب لبنان من فراغ، بل تعبّر عن تيار أيديولوجي يسعى إلى توسيع المشروع الاستيطاني تحت عناوين دينية وتاريخية وأمنية. وتبرز في هذا السياق حركة "عوري تسافون" (Uri Tzafon)، التي تدعو إلى إقامة مستوطنات وصولًا إلى نهر الليطاني، إلى جانب حركة "نحالا" (Nachala) الاستيطانية، التي تقودها دانييلا فايس. وتحظى توجهات مماثلة بتأييد أوساط من اليمين المتطرف الإسرائيلي. ولا يعني ذلك ثبوت وجود قرار حكومي رسمي بإقامة مستوطنات في لبنان، لكن هذه الدعوات تكتسب أهمية خاصة في ضوء محاولات بعض الناشطين تجاوز الحدود.
وتستدعي هذه التطورات تجربة الحركة الصهيونية بعد الحرب العالمية الأولى، حين أسهمت المؤسسات والصناديق وشركات الأراضي في تنظيم شراء الأراضي وتوسيع الاستيطان في فلسطين تحت الانتداب البريطاني. واليوم، تقدّم الضفة الغربية مثالًا على تراكم الوقائع الاستيطانية، من الاستيلاء على الأراضي وتوسيع المستوطنات إلى تقييد حركة السكان وإضعاف التواصل بين تجمعاتهم. ولا يعني ذلك تطابق الحالتين، بل يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن أن يصبح الدمار والترانسفير والوجود العسكري في جنوب لبنان مدخلًا لفرض وقائع جغرافية دائمة؟ وإذا حدث ذلك، فهل ستبقى تداعياته محصورة بالقرى الشيعية المنكوبة، أم ستمتد إلى القرى المسيحية والسنية والدرزية أيضًا؟
قد يكون أخطر ما يمكن أن تقع فيه القرى المسيحية والسنية والدرزية في جنوب لبنان هو الاعتقاد بأن مشروع الاستيطان الإسرائيلي، إذا انتقل من الخطاب الأيديولوجي إلى التنفيذ، سيظل محصورًا بالقرى الشيعية التي دمّرتها الحرب، وأن اختلاف الهوية الطائفية يمنحها حصانة من أطماع التوسع. فالتاريخ لا يقدم ضمانات من هذا النوع، والجغرافيا لا تعترف بالفوارق الطائفية عندما تصبح الأرض نفسها موضع صراع على السيطرة.
وفي سياق التطورات الميدانية، يثير استخدام منزل لبناني مدني مركزًا لاقتراع الجنود الإسرائيليين تساؤلات حول طبيعة السيطرة على العقارات المدنية ومصير أصحابها. وفي ظل الدعوات إلى الاستيطان في جنوب لبنان، تكتسب هذه الواقعة دلالة سلبية إضافية، إذ يمكن النظر إليها بوصفها مؤشرًا مقلقًا على احتمال توظيف الوجود العسكري في تكريس وقائع ميدانية قد تمهّد، على المدى الطويل، لفرض مشروع استيطاني وتغيير الواقع الجغرافي في المنطقة.
لنتأمل السيناريو الأكثر قتامة: يبدأ الأمر بفرض واقع جديد في القرى الحدودية المدمرة، تحت عناوين أمنية وإجراءات توصف بالمؤقتة، فيما تتعثر عودة السكان وتتأخر إعادة الإعمار. وقد تتحول بعض المناطق إلى نطاقات يصعب على أصحابها الوصول إليها، بما ينعكس على سبل العيش والاستقرار، ولا سيما في القرى المجاورة.
ولا يمكن فصل هذا السيناريو عن احتمال تجدد الحرب أو اتساعها في ظل استمرار التوتر الإقليمي وتعثر التسويات السياسية. فإذا اندلعت مواجهة جديدة، فلن يقتصر الأمر على حجم الدمار والخسائر البشرية، بل سيمتد إلى طبيعة الوقائع التي قد تفرضها على الأرض. فإذا استمر الدمار، وتعطلت عودة السكان، وفُرضت قيود طويلة الأمد على وصولهم إلى أراضيهم، فإن الحرب ستؤدي إلى تغيير ديموغرافي، سواء عبر التهجير المباشر أو من خلال ضغوط متراكمة تجعل البقاء متعذرًا وتحول المغادرة المؤقتة إلى نزوح طويل الأمد. وعندها، لن تقتصر النتائج على الخسائر العسكرية والمادية، بل ستمتد إلى تغيير الواقع السكاني والجغرافي في جنوب لبنان.
وفي حال امتدت آثار الوجود العسكري إلى القرى المجاورة، فلن تكون رميش وعين إبل ودبل، وكذلك القليعة وجديدة مرجعيون وبرج الملوك، بمنأى عن تداعياته لمجرد اختلاف تركيبتها الطائفية. فقد تتأثر الأنشطة الزراعية والاقتصادية، وتتراجع فرص العمل ومصادر الدخل، بما يزيد الضغوط على السكان ويدفع بعض العائلات إلى المغادرة، حتى من دون صدور قرار معلن بالترانسفير.
أما في المناطق ذات الحضور الدرزي، فتبرز حاصبيا والقرى المحيطة بها، إلى جانب إبل السقي والماري والخريبة، ضمن المناطق التي ينبغي أخذ أوضاعها الميدانية في الاعتبار عند تقييم أي اتساع محتمل لنطاق السيطرة العسكرية. ولا يعني ذلك أن هذه البلدات جميعها خاضعة للاحتلال العسكري المباشر أو تواجه الظروف نفسها، بل إن أوضاعها الميدانية تختلف، فيما يبقى أمن سكانها وحقهم في البقاء في أرضهم جزءًا من أي نقاش جدي حول مستقبل الجنوب.
وتكتسب المسألة بعدًا اجتماعيًا إضافيًا بالنظر إلى الروابط التاريخية والعائلية التي تجمع دروز لبنان بأبناء طائفتهم في قرى الجليل الأعلى، ومنها حرفيش وبيت جن والبقيعة وكسرى وكفر سميع. وهذه الروابط تجعل ما يصيب التجمعات الدرزية على جانبي الحدود شأنًا إنسانيًا واجتماعيًا يتجاوز حدود كل بلدة، من دون أن يعني ذلك تطابق مواقف سكانها السياسية. فالمعيار في نهاية المطاف ليس الانتماء الطائفي، بل حق السكان في البقاء في أرضهم ومنع فرض وقائع جديدة على حسابهم.
ولن تكون القرى ذات الحضور السني، وفي مقدمتها كفرشوبا وشبعا، بمنأى عن التداعيات المحتملة للقيود المرتبطة بالوجود العسكري، من تعطل الطرق وتراجع النشاط الاقتصادي إلى تقلص فرص العمل والخدمات. ولا يعني ذلك أن البلدتين تخضعان للاحتلال المباشر بالدرجة نفسها، إذ ينبغي التمييز بين وجود القوات داخل البلدة ووقوعها ضمن نطاق عسكري أو أمني يتأثر بالانتشار الإسرائيلي. وفي مثل هذه الظروف، قد تتعرض بعض العائلات لضغوط تدفعها إلى النزوح بحثًا عن الأمان والاستقرار.
قد لا يأتي الترانسفير دائمًا في صورة قوافل تُجبر على الرحيل دفعة واحدة، بل قد يتخذ شكل ضغط متراكم يجعل البقاء أكثر صعوبة، إلى أن تتحول المغادرة من خيار مؤقت إلى واقع طويل الأمد. وتكشف تجربة الضفة الغربية أهمية الانتباه إلى هذه الآليات، من السيطرة على الأراضي وإضعاف التواصل بين التجمعات السكانية إلى استغلال غياب السكان لتغيير واقع الأراضي والمنازل والتركيبة السكانية. وإذا توافرت ظروف تسمح بتكرار بعض هذه الآليات في جنوب لبنان، فقد تمتد تداعياتها إلى مناطق أخرى، مهددةً استقرار الجنوب ولبنان بأسره.
وهنا يكمن الخطر الوطني الأكبر: أن ينشغل اللبنانيون بهوية القرية المستهدفة، بدلًا من إدراك أن استهداف الأرض اللبنانية يمس الجميع. فحماية رميش وعين إبل ودبل والقليعة وجديدة مرجعيون وبرج الملوك وشبعا وحاصبيا لا تنفصل عن حماية عيتا الشعب ويارون وبنت جبيل ودير سريان وسائر قرى الجنوب. وعلى الدولة والمجتمع اللبناني التمسك بحق السكان في أرضهم، وضمان عودة النازحين، وإعادة إعمار القرى المدمرة، ومنع تحول الإجراءات العسكرية المؤقتة إلى تغييرات دائمة في الواقع الجغرافي والديموغرافي.
إن التحذير ليس من مصير محتوم، بل من احتمال ينبغي العمل على منعه قبل أن يصبح واقعًا. فالمطلوب ليس إثارة الخوف بين اللبنانيين، بل كسر وهم الاطمئنان إلى أن الخطر سيصيب الآخرين وحدهم. فالجنوب لا يُحمى بتقسيم قراه إلى قرى مهددة وأخرى مطمئنة، ولا باعتبار معاناة جماعة شأنًا يخصها وحدها، بل بإدراك أن كل قرية تُنتزع من أهلها هي خسارة للبنان كله، وأن حماية آخر بيت في أبعد قرية حدودية مسؤولية وطنية لا تقبل التجزئة.