تُشكّل لوحات الفنان Mart Visser مارت فيسر منذ بدايتها انقلاباً في مفهوم البورتريه. إذ يستخرج الشخص من المادة. ومن هنا تبدو عبارته، «كل وجه، كل شخص، كل إنسان لديه أكثر من 8000 خط في وجهه»، مفتاحاً شديد الأهمية، لا لأنها تقدّم رقماً علمياً حرفياً بقدر ما تكشف عن فلسفة النظر التي تحكم العمل. فالخط في رسوماته ليس مجرد وسيلة لرسم التجاعيد أو تحديد الملامح، إنه أثر للحركة، وسجل للانقباض والانبساط، وتاريخ مصغر للعضلات، والجلد، والعمر، والانفعال، والذاكرة. إن الوجه، وفق هذه الرؤية، ليس سطحاً ساكناً بل خريطة ديناميكية، وكل خط فيها هو احتمال لحركة سابقة أو لاحقة. فهل ينقل الفنان مارت فيسر البورتريه من منطق التشابه إلى منطق الأثر، ومن استنساخ الهيئة إلى تفكيك شروط ظهورها؟
يبني مارت الرأس على محور رأسي واضح، لكنه لا يفرض عليه تناظراً صارماً بل يجعل المحور مركزا للتوتر. النصفان ليسا نسختين متقابلتين، والملامح لا تتطابق كما في رسم تشريحي أكاديمي. هذا الاختلال ليس عيباً في البناء، وإنما هو أحد مصادر الحياة فيه. فالهندسة الحقيقية للوجه الإنساني لا تقوم على التناظر الكامل، بل على انحرافات دقيقة تجعل كل وجه مختلفاً عن الآخر. حتى الرأس نفسه يبدو وكأنه يتعرض لضغط داخلي، من اتساع في القحف، تضييق في الفك، ثم امتداد للعنق، وهي حركة هندسية تجعل الشكل أقرب إلى قطرة أو بذرة أو كتلة عضوية نمت بدل أن تكون قد صممت. إذ تصبح الهندسة أداةً لفهم الحياة، لا نقيضاً لها.
إن عبارة مارت عن «أكثر من 8000 خط» قوة تشكيلية فلسفية، لأن الوجه فعلاً ليس بنية ساكنة، وإنما منظومة معقّدة من الجلد والأنسجة والعضلات والأعصاب والأوعية، تتغيّر باستمرار تحت تأثير الانفعال والعمر والضوء والجاذبية والحركة. الوجه الذي نراه في لحظة ليس إلّا لقطة مؤقتة من نظام حيّ. عضلات التعبير تغيّر توتر الجلد، والجلد يحمل آثار الزمن، والجبهة تتغيّر مع التفكير أو الدهشة، والمنطقة المحيطة بالفم تختزن عادات الكلام والابتسام والامتناع عن الابتسام، فيما تصبح العينان مركزاً لتفاعل بالغ التعقيد بين الإدراك والانفعال. لذلك تبدو هذه اللوحة، رغم ابتعادها الواضح عن التشريح الواقعي، شديدة الصلة بجوهر التشريح، فمارت لا يرسم الأعضاء كما يفعل الأطلس الطبي، وإنما يرسم نتائج وجودها. لا نرى العضلة، لكننا نرى أثر شدّها. لا نرى العصب، لكننا نرى الإيقاع الذي يسمح للملامح بأن تتوتر. لا نرى الجلد بوصفه غشاءً بيولوجياً، بل نراه كأرشيف.
إن مارت يلتقط الوجه في المنطقة التي يلتقي فيها البيولوجي بالنفسي، حيث تتحوّل المادة العضوية إلى تعبير. إذ تصبح الخطوط التي يتحدث عنها الفنان أشبه بشبكة عصبية مرئية وهي ليست أعصاباً بالمعنى التشريحي، لكنها تمثيل بصري لفكرة أن كل حركة صغيرة تترك أثراً على الكيان كله. لذلك يمكن أن يكون تغيير بسيط في موضع خط أو زاوية حاجب أو انحناء فم كافياً لتغيير الشخصية المتخيلة. إنه منطق بيولوجي أيضاً تغير صغير في بنية نظام معقد يمكن أن يؤدي إلى تغيّر كبير في سلوكه الكلي. وفي قوله كل وجه يمتلك «خصوصيته وتفرّده»، يفرض سؤالا وهو هل يستطيع الرسم المجرد جزئياً أن يحافظ على هذه الخصوصية أم أنه يخاطر بتحويل الوجه إلى نموذج عام؟
إن كثافة الخامة وتشابه البقع والخطوط قد تدفع أحياناً نحو محو الفروق الفردية بدل إبرازها، خصوصاً حين تتقدم المادة على الملامح. وهذه ليست نقطة ضعف بالضرورة، بل هي التوتر المنتج في العمل. فالفنان يريد أن يثبت فرادة الوجه، لكنه يستخدم لغة تقوم جزئياً على طمس الهوية المباشرة. وكأنه يريد أن يقول هذا الشخص لا يشبه غيره، لكنه لا يمنحنا كل الأدلة التي تسمح بتحديده. فهل ما نراه في النهاية ليس «وجهاً ناقصاً»، وإنما سؤالاً كاملاً عن استحالة الفهم المادي المصنوع منه الإنسان. إن لوحاته تبدأ من فكرة بسيطة ظاهرياً وهي آلاف الخطوط الصغيرة تصنع ميزة كل الوجه، ثم توسّع هذه الفكرة حتى تصبح تصوّرا للإنسان نفسه. فالإنسان ليس ملامحه الكبرى فقط، بل التفاصيل التي لا يلاحظها أحد، ليس الصورة التي يلتقطها الآخرون، بل تلك الانحرافات الدقيقة التي تمنح وجوده إيقاعه الخاص. فهل من توازنات واختلالات هندسية في وجه الإنسان تحدث مع العمر؟ أم أننا نرى تشوّهات محسوبة بيولوجياً في وجه الإنسان؟