كتبت الاعلامية وفاء بيضون في " اللواء "
«مصائب قوم عند قوم فوائد»؛ بهذا المثل يمكن تلخيص جانب من المشهد السياسي المربك والمأزوم بين «القوات اللبنانية» وكلٍّ من رئيسَي الجمهورية والحكومة، جوزاف عون ونواف سلام.
فما أفرزته أزمة شاحنة ضهر البيدر المحمّلة بالمتفجرات، والتي أقرّ حزب الله بأنها تعود للمقاومة، وأنها كانت مخصّصة للدفاع عن الجنوب، شكّل مادة دسمة لدى عدد من القوى السياسية المحلية والخارجية، ولا سيما أنّ التحقيق لم يُستكمل بعد بصورة نهائية، رغم توقيف سائق الشاحنة ومساعده.
إلا أنّ هذا الملف كاد أن يفضي إلى أزمة داخلية، بفعل اختلاف التفسيرات وطرق التعاطي معه، إذ تناولته القوى المعنية كلٌّ من زاوية مصالحها ومواقفها، سواء أكان الأمر يتعلق بالمعترضين أم بحزب الله. ويُضاف إلى ذلك إصرار وزير العدل على طرح الملف على طاولة مجلس الوزراء، والتصويت على إحالته إلى المجلس العدلي.
ومع عدم استجابة الرئيسين عون وسلام لمطلب وزير العدل، انسحب وزراء القوات اللبنانية من الجلسة اعتراضاً على عدم إجراء التصويت. في المقابل، لا يزال وزير العدل متمسكاً بموقفه الداعي إلى الإحالة، ومواصلة المسار القانوني، الذي يرى أنّه لا ينبغي إخضاعه للاعتبارات السياسية، حتى بلوغ نهايته.
وكانت اتصالات مكوكية قد سبقت الجلسة، تمحورت حول مسارين: الأول بين بعبدا وعين التينة، والثاني بين حزب الله والرئيس نبيه بري، وذلك لتلافي أي تداعيات قد تهدد السلم الأهلي بالاهتزاز، في لحظة أمنية وسياسية شديدة الحساسية يمرّ بها لبنان.
من هنا، يمكن القول إنّ المقاطعة قد لا تؤدي إلى القطيعة بين معراب وبعبدا، لكنها تحمل في طياتها مؤشرات إلى مواقف متراكمة ومخزّنة في أدراج الطرفين، بدأت بالظهور عبر المنصات الإعلامية المحسوبة على كلٍّ منهما.
وبهذا الموقف، أبقى رئيس حزب القوات اللبنانية، الدكتور سمير جعجع، المواجهة داخل الحكومة، حيث تصطدم القوات بمعادلة صعبة ومعقّدة؛ فهي تريد دفع السلطة إلى اتخاذ خطوات أكثر حسماً تجاه حزب الله، لكنها لا ترى مصلحة في التخلي عن الموقع الذي يتيح لها التأثير في القرار الحكومي. ولذلك، تتمسك بالمشاركة في حكومة تعترض على بعض قراراتها ومقارباتها.
وفي المقابل، يمنح استبعاد خيار الاستقالة الرئيسين عون وسلام مساحة لاحتواء التصعيد، لكنه لا يبدّد الخلاف حول كيفية ترجمة التوجهات المشتركة إلى قرارات عملية، قد تبدأ معالمها بالظهور خلال الأيام والأسابيع المقبلة.
ومن هنا، ترى مصادر مطّلعة أنّ النقاش الفعلي الذي أثارته جلسة مجلس الوزراء الأخيرة يتجاوز قضية المتفجرات بحدّ ذاتها، كما يتجاوز احتمال بقاء القوات في الحكومة أو خروجها منها، ليطاول جدوى استمرار مشاركتها وقدرتها الفعلية على التأثير.
والأكثر لفتاً في هذا السياق هو السؤال عمّا إذا كان البقاء داخل الحكومة يسمح بتغيير القرارات، أم أنّه يجعل الشركاء يعتادون على خلافات سياسية متكررة لا تفضي بالضرورة إلى النتائج المرجوّة.
ولهذا، ترى المصادر أنّ تجاهل اعتراض حزب القوات بالكامل ليس خياراً بلا ثمن؛ فقد تبقي القوات مشاركتها الحكومية قائمة، لكنها قد تعمل في المقابل على توسيع رقعة الخلاف بين القوى التي يُفترض أن تتعاون على تنفيذ حصرية السلاح، ولا سيما في ظل المظلة الدولية، والأميركية خصوصاً، التي توفر غطاءً سياسياً لهذا المسار.
أما بالنسبة إلى مكاسب حزب الله، فقد ظهر هذا الأثر في ترحيب كتلة «الوفاء للمقاومة» بالتريث في الإحالة، بالتزامن مع تمسّكها بموقف يرفض اعتماد حصرية السلاح في ظل الاحتلال والتهديدات الإسرائيلية. وبذلك، تفادى الحزب صدور قرار يعارضه، من دون أن يعلن أي تراجع عن موقفه من ملف السلاح. أما شركاؤه المختلفون معه في هذا الملف، فوجدوا أنفسهم أمام خلاف إضافي حول الطريقة التي ينبغي اعتمادها في التعامل معه.
وبمعنى آخر، فإنّ الأزمة التي تكشّفت بين معراب وبعبدا ليست وليدة اللحظة؛ إذ تعود جذورها إلى مرحلة ما بعد انتخاب الرئيس عون، حين راهنت القوات اللبنانية، من خلال تصويتها بكتلة وازنة، على أن يكون لها تأثير في القرارات والتوجهات السياسية. إلا أنّ استبعاد الوزير المحسوب على القوات، يوسف رجي، من بعض المحطات أو الملفات، وما رافق ذلك من تباينات في المواقف، أسهم في توسيع رقعة التباعد بين الطرفين.
ومن هنا، وجد حزب الله في اتساع المسافة بين جعجع وعون هامشاً سياسياً يمكن توظيفه لمصلحته، مستفيداً من الخلاف بين خصومه، فيما تحوّلت شاحنة ضهر البيدر من قضية أمنية وقضائية إلى محطة إضافية كشفت هشاشة التفاهمات السياسية داخل الحكومة، وأعادت رسم خطوط التقارب والتباعد بين القوى اللبنانية.