21 جمادى الأولى 1448

الموافق

الإثنين 02-11-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "براءة الظنّ"!
"براءة الظنّ"!
القاضي م جمال الحلو
2026-11-02
"براءة الظنّ"!

ليس بين أن تعرف وأن تشارك إلا ما بين النظرة والفعل؛ فالأولى بابٌ يفتحه حسن الظن، والثاني جُرمٌ لا يثبت إلا ببيّنة. فإذا ما أُوقف امرؤٌ بتهمة النصب والاحتيال، فلا يجوز أن يُساق كل من صافحه، أو جاوره، أو وقف إلى جانبه في صورة تذكارية، إلى محكمة الظنون؛ فالصورة لحظة عابرة، لا شهادة على الضمائر، والمصافحة ليست عقد شراكة، والمجاورة ليست إقراراً بالجرم.

ولو كان الاغترار بالناس عيباً يؤاخذ المرء به، لكان أولى الناس بالمؤاخذة أنبياء الله، وهم أكمل الخلق عقلاً، وأصفاهم سريرة، وأشدهم تبصّراً بطبائع البشر. فقد ابتُلي السيد المسيح عليه السلام بتلميذٍ خانه وباعه، على ما تروي الأناجيل، هو يهوذا الإسخريوطي، وكان قد جلس إلى مائدته. وابتُلي النبي محمد عليه الصلاة والسلام بمنافقين عاشوا بين أصحابه، يُظهرون الإيمان ويُبطنون خلافه، حتى نزل فيهم قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾. فإذا كان خفاء السرائر قد بلغ من الدقة مبلغاً لم يُكشف معه أمر بعض المنافقين للرسول إلا بوحي الله، فكيف يُلام من دونه على أمرٍ استترت حقيقته وراء ظاهرٍ خادع؟ وفي التاريخ أن يوليوس قيصر، على ما أوتي من دهاء وحذر، هوى بخناجر المتآمرين، وكان بروتوس، أحد المشاركين في اغتياله، ممن شملهم قيصر بعفوه وقرّبهم.

فالغدر لا يشترط أن يأتي من وراء الحدود، بل كثيراً ما يتسلل من الأبواب التي فتحناها بالثقة؛ والخديعة، وإن كانت موجعة، ليست وصمةً في جبين من وقع ضحيتها، بل هي شاهد على خفاء ما استتر، لا على فساد من أحسن الظن. وما كل من أُحسن الظن به كان أهلاً له، كما أن سوء العاقبة لا يجعل حسن النية خطيئة.

ثم إن التهمة، مهما علت أصوات مروّجيها، تظل ادعاءً حتى يقول القضاء كلمته، والأصل في الإنسان البراءة، ولا يُنقل عنها إلا بدليل. قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. فلا تُحمّلوا المرء تبعة فعلٍ لم يأتِه، ولا تجعلوا من معرفة شخصٍ قرينةً على الاشتراك في جريمته، ولا من صورةٍ عابرة صكّ إدانةٍ لمن لم تثبت عليه شبهة.

ولعلّ أفظع ما في محاكمات الناس أن يُدان المرء فيها مرتين: مرةً حين يُخدع فيمن ائتمن، ومرةً حين يُلام لأنه ائتمن. وفي ذلك من الجور ما لا يقل عن جور الخديعة نفسها؛ إذ يُصبح حسن الظن تهمة، والوفاء موضع ريبة، وتغدو الطيبة خطيئة في مجتمعٍ لا يرحم ضحاياه بقدر ما يلاحق متّهميهم. وليس من العدل أن نطلب من الناس أن ينفذوا ببصائرهم إلى ما استتر من السرائر، ولا من الإنصاف أن نحاكم النيات بما لم تكشفه الوقائع.

فلِمَ نستعجل التشهير بمن أخطأ في تقدير إنسان؟ إن الخطأ في معرفة الرجال ليس جُرماً، بل هو من عوارض المعاشرة الإنسانية، ومن طبائع الحياة التي لا تخلو من خادعٍ ومخدوع، ولا من صادقٍ أُسيء تقديره. وليس من المروءة أن نجلد من وثق، بل أن نُنصفه، ولا من الحكمة أن نستبق القضاء، بل أن نترك للبيّنة شأنها وللعدالة ميزانها.

فالناس لا يُؤاخذون بما جهلوا، ولا يُدانون بما لم يفعلوا، ولا تُقاس نزاهتهم بمن أحسنوا الظن به. ومن جعل من الصورة دليلاً، ومن المصافحة شراكة، ومن المعرفة إدانة، فقد استبدل ميزان العدل بميزان الهوى. إنما تُعرف الرجال بأفعالهم، وتُصان الحقوق بالبيّنات، وتُحفظ كرامة الأبرياء بكفّ الألسنة عنهم؛ فليس كل من جاور متهماً شريكاً في جرمه، وليس كل من خُدع خادعاً، وليس العدل أن نُحسن الظن بالمجرم، بل ألا نظلم البريء.

فلننتظر كلمة القضاء؛ فهي الفيصل في مقام الإثبات والإدانة، وما عداها أحكامٌ مستعجلة، وضجيجٌ لا يُقيم عدلاً، وظنونٌ لا تُنشئ حقاً.

جنوبيات
أخبار مماثلة