تلفُّ معظم دول العالم أزمات سياسية واقتصادية ومعيشية وحروب وإعادة رسم خرائط وبحث عن أدوار، بحيث لا تشهد استقراراً يؤسس لمعالجات مستدامة مبنية على الحقوق والواجبات التي توفر الاستقرار للشعوب وتفسح المجال لتقدّمها وتطوّرها، بدل نزعات السيطرة والتحكّم السائدة الآن، من الشرق الأوسط بفعل الحروب الأميركية - الإسرائيلية على النفط والطاقة والخيرات، الى أوروبا بفعل الحرب الأوكرانية – الروسية وتراجع الاقتصادات فيها وارتفاع كلفة المعيشة والتحركات الاحتجاجية الواسعة في أكثر من ست دول، والى افريقيا بفعل ما يجري في أكثر من دولة فيها، وصولا الى الخلافات الخطيرة المستجدّة في بعض دول أميركا اللاتينية بسبب التدخّلات الخارجية العظمى في شؤونها وخيراتها، والى أميركا الشمالية (أميركا وكندا) نتيجة حروب التجارة والرسوم التي امتدت الى الصين وبعض دول آسيا الأخرى.
هذه الأزمات الكبرى تجعل من الصعب على لبنان أن يتحمّل انعكاساتها ونتائجها في ظل الوضع الهشّ الذي يعيشه سياسياً واقتصادياً، وأمنياً أيضا بفعل العدوان الإسرائيلي اليومي على الجنوب، فلا تماسكاً ولا تفاهماً ولا حواراً داخلياً يعالج المشكلات والانقسامات السياسية والطائفية، ويُرسي تفاهمات نصّ عليها الدستور الذي التزمت به كل القوى السياسية كلامياً، ولا حل لمعضلة الاحتلال الإسرائيلي بظل الانحياز الأميركي الواضح للكيان الإسرائيلي وأطماعه التوسعية التاريخية في لبنان، ولا دول العالم قادرة على إيجاد حلول جذرية لما يعانيه لبنان على كل المستويات، بإستثناء بعض الدعم لبعض المؤسسات الرسمية كالجيش والقوى الأمنية وبعض وزارات ومؤسسات الخدمات كالطاقة. فكل دولة تعاني مشكلاتها، والانقسام العالمي يحول دون تفعيل دور منظمة الأمم المتحدة في إرساء السلام العالمي كما هو يُفترض حسب دورها الذي أنشئت لأجله ولو نظرياً، وتحول دون قيام حوارات إقليمية أو بين الدول المتجاورة.
ولبنان الذي يعاني من دولة معادية شرسة على حدوده الجنوبية، ومن علاقات غير مستقرّة نهائياً مع دولة شقيقة على حدوده الشرقية والشمالية تعاني بدورها من الاحتلال والأزمات الداخلية، لا متنفّس له سوى بالانفتاح على نفسه وإرساء قواعد حكم وإدارة جديدة بين مكوناته، تحفظ الكيان المهدّد وتعيد تماسك الشعب المنقسم على ذاته نتيجة الشحن والتحريض، وتماسك المؤسسات الرسمية شبه المنهارة لتقوم بواجباتها تجاه شعبها.
على هذا، بات من المفروض على لبنان بكل مؤسساته الدستورية وأحزابه وهيئات المجتمع المدني فيه - المستقلة غير التابعة للخارج ولا تتحرك بإيعاز منه - أن يتبصّر بما يجري حوله في الجغرافيا القريبة والبعيدة، وأن يبحث عن الحلول التي توفر له ولو الحدّ الأدنى من التماسك الداخلي الذي يحميه من تأثيرات العواصف التي تضرب دول العالم، والأمر لا شك يتطلب تنازلات من هنا وهناك وتراجعاً عن الخطاب الحادّ والتخويني، وتحرير المؤسسات الدستورية كمجلس النواب ومجلس الوزراء والقضاء ومؤسسات الأمن والخدمات على أنواعها من التبعيات السياسية والطائفية وتقاسم الحصص ومراكز النفوذ، لأن نتائجها تنعكس فقط على الناس البسطاء والفقراء وتزيد من تهميشهم ومن معاناتهم وتزيد من هجرة الأدمغة التي تحتاجها البلاد للنهوض.
هذه الصورة السوداوية هي واقع الحال في لبنان والإقليم والدول الأبعد قليلاً، فكلها تعاني ويلات الحروب وصرف الأموال على السلاح ومحاولات التوسّع والهيمنة بدل التنمية والتضامن بينها لتحقيق كفاية ورفاهية شعوبها. فكيف يواجه لبنان كل هذا وهو المنقسم على ذاته والعاجز عن معالجة أبسط الأزمات ومنها أزمة إضاءة مطاره الدولي وتسيير مرافقه العامة الأساسية بشكل صحيح وفعّال ومنتج، وهو ليس فقيراً لكنه منهوب كما قال أكثر من مسؤول ويحتاج إدارة سليمة ونظيفة توقف الفساد والهدر وتوفر وسائل الاستقرار في كل المجالات؟