19 جمادى الأولى 1448

الموافق

السبت 31-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "إسرائيل" ومأزقها التاريخي: أزمة المشروع الصهيوني وتآكل شرعيته وتحديات الاندماج في الشرق الأوسط
"إسرائيل" ومأزقها التاريخي: أزمة المشروع الصهيوني وتآكل شرعيته وتحديات الاندماج في الشرق الأوسط
د. عبد الرحيم جاموس
2026-10-31
"إسرائيل" ومأزقها التاريخي: أزمة المشروع الصهيوني وتآكل شرعيته وتحديات الاندماج في الشرق الأوسط

لم تعد الأزمة التي تواجهها إسرائيل اليوم مجرد أزمة حكومة أو خلاف سياسي حول بنيامين نتنياهو وائتلاف اليمين القومي والديني المتطرف، ولا يمكن اختزالها في تداعيات حرب غزة أو تراجع علاقاتها مع بعض الدول الغربية. فما يتكشف أمامنا أعمق من ذلك؛ إنه مأزق تاريخي وسياسي وأخلاقي يمس طبيعة المشروع الصهيوني، وأسس قيام الدولة الإسرائيلية، ومدى قدرتها على الاستمرار في فرض واقعها القائم على الاحتلال والاستيطان وإنكار الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ثم المطالبة في الوقت نفسه بالاندماج الطبيعي في الشرق الأوسط والحصول على اعتراف إقليمي ودولي مستدام.

إن جوهر هذه الأزمة يعود إلى التناقض التأسيسي الذي رافق المشروع الصهيوني منذ نشأته: إقامة دولة ذات طابع قومي يهودي في فلسطين، وهي أرض كان يعيش عليها شعب فلسطيني له هويته الوطنية وتاريخه وحقوقه السياسية والتاريخية. وقد حاول المشروع تجاوز هذه الحقيقة من خلال الهجرة والتهجير والحروب والاستيلاء على الأرض والاستيطان وفرض الوقائع بالقوة، لكنه لم يستطع إلغاء الشعب الفلسطيني أو إنهاء قضيته الوطنية.

وهنا تكمن المعضلة الأساسية: كيف يمكن لدولة أن تطلب الاعتراف بشرعيتها وأمنها واستقرارها، بينما تواصل إنكار حقوق شعب آخر، وتحول السيطرة على أرضه وحرمانه من تقرير مصيره إلى سياسة دائمة؟

أصوات يهودية من داخل التجربة: مراجعة المشروع الصهيوني

لم تأتِ التحذيرات من مأزق إسرائيل ومستقبل المشروع الصهيوني من خصومها الفلسطينيين والعرب وحدهم، بل صدرت أيضاً عن شخصيات سياسية وفكرية يهودية وإسرائيلية عايشت التجربة من داخلها، وأسهم بعضها في مؤسساتها السياسية والفكرية.

ومن أبرز هذه الشخصيات أفراهام بورغ، الرئيس الأسبق للكنيست ورئيس الوكالة اليهودية سابقاً، الذي وجّه انتقادات جوهرية إلى طبيعة الدولة الإسرائيلية وإلى اختزال الهوية اليهودية في نموذج الدولة القومية الصهيونية. وقد حذّر من أن استمرار تعريف الدولة على أساس قومي وديني حصري، مع إدامة السيطرة على الفلسطينيين، يهدد مستقبل الديمقراطية والمساواة ويعمّق أزمة الهوية والشرعية.

وتكتسب هذه المواقف أهميتها من أنها صدرت عن شخصية عرفت مؤسسات الدولة الإسرائيلية من الداخل، وسبق أن تحدث عن أزمة إسرائيل ومستقبلها، وعن صعوبة استمرارها في المنطقة دون مراجعة علاقتها بالفلسطينيين وبمحيطها العربي.

وفي سياق مختلف، جاءت مواقف رونالد لاودر، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي وأحد أبرز الداعمين التقليديين لإسرائيل، لتكشف عن اتساع دائرة القلق داخل الأوساط اليهودية المؤيدة لإسرائيل نفسها. فقد حذّر في مقابلة مع صحيفة هآرتس في 23 أكتوبر 2026 من أن إعادة انتخاب نتنياهو قد تلحق أضراراً كبيرة بإسرائيل، وانتقد تراجع ديمقراطيتها وتدهور علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا والجاليات اليهودية في الخارج. كما أعلن أنه باع أو تبرع بممتلكاته في إسرائيل، وقال إنه لا ينوي العودة إليها، مع تأكيده استمرار انتمائه الصهيوني.

وتكمن أهمية موقف لاودر في أنه لا يصدر عن خصم تاريخي للصهيونية، بل عن شخصية من أبرز داعميها ومناصري إسرائيل في العالم. وهذا يجعل انتقاداته مؤشراً على أن القلق من المسار الإسرائيلي لم يعد مقتصراً على اليسار أو المعارضين التقليديين، بل امتد إلى شخصيات ظلت لعقود جزءاً من البيئة السياسية والمالية والدولية الداعمة لها.

كما برزت أصوات يهودية أخرى، من بينها الطبيب والمفكر التونسي الأصل جيرار حداد، الذي تحدث عن تجربته الشخصية مع الصهيونية، موضحاً أنه هاجر إلى إسرائيل وعمل طبيباً نفسياً في مستشفيات بئر السبع، قبل أن تقوده تجربته المباشرة إلى مراجعة قناعاته السابقة والقطيعة مع الأيديولوجيا الصهيونية.

وفي شهادته، يستحضر حداد موقف المفكر الإسرائيلي يشعياهو ليبوفيتش، وانتقاده المبكر لقتل الأطفال الفلسطينيين وممارسات الاحتلال، ويؤكد أن اليهودية ليست الصهيونية، وأن انتقاد سياسات إسرائيل لا يعني معاداة اليهود. بل يذهب إلى أن رفض الأيديولوجيا التي تبرر الظلم قد يصبح واجباً أخلاقياً، وأن ما يسمى أحياناً خيانة للصهيونية قد يكون موقفاً أخلاقياً تجاه الإنسان وحقوقه.

وتختلف هذه الشخصيات في منطلقاتها ومرجعياتها ودرجة نقدها للصهيونية، لكن مواقفها تكشف أن الفكر اليهودي ليس كتلة واحدة، وأن هناك مراجعات عميقة للعلاقة بين اليهودية والدولة الإسرائيلية والصهيونية، وللثمن الأخلاقي والسياسي الذي يدفعه اليهود نتيجة سياسات الاحتلال والحروب.

الصهيونية واليهودية: المشروع الاستعماري والتناقض التأسيسي

من الضروري، في سياق تحليل مأزق المشروع الصهيوني، التمييز بين اليهودية بوصفها ديناً وتراثاً وهوية ثقافية وتاريخية متعددة، وبين الصهيونية بوصفها حركة سياسية قومية نشأت في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، وتطورت في سياق التحولات القومية والاستعمارية الأوروبية.

لقد استفادت الحركة الصهيونية من الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في أوروبا، ومن إخفاق المجتمعات الأوروبية في توفير الحماية والمساواة لهم، لكنها ربطت معالجة القضية اليهودية بمشروع إقامة دولة في فلسطين، متقاطعة في مراحل تأسيسها مع المصالح الاستعمارية الأوروبية، ولا سيما بريطانيا، وصولاً إلى وعد بلفور عام 1917 والانتداب البريطاني.

ومن هنا ينبغي قراءة المشروع الصهيوني في سياقه التاريخي؛ فقد التقت طموحات الحركة الصهيونية مع مصالح قوى استعمارية أوروبية رأت في إقامة كيان موالٍ لها في فلسطين وسيلة لخدمة مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. وهكذا لم تكن فلسطين مجرد وجهة هجرة، بل أصبحت موضوع مشروع استيطاني سياسي ارتبط بإعادة تشكيل الأرض والسكان والسلطة.

إن التناقض الجوهري هنا أن الصهيونية ادعت تحقيق مصالح اليهود وأمنهم التاريخي، لكنها جعلت تحقيق ذلك مرتبطاً بمواجهة الشعب الفلسطيني وحرمانه من حقوقه الوطنية. وبذلك وضعت اليهود أنفسهم في قلب صراع طويل لم يكن لهم جميعاً اختيار المشاركة فيه أو تحمل تبعاته.

ولا يعني نقد الصهيونية الانتقاص من حق اليهود في الأمن والكرامة والمساواة، كما لا يعني تحميل اليهود جماعياً مسؤولية سياسات إسرائيل. بل إن الفصل بين اليهودية والصهيونية ضرورة فكرية وأخلاقية، حتى لا يتحول الصراع السياسي إلى مواجهة دينية أو هوياتية.

غزة: انكشاف حدود القوة وأزمة الشرعية الدولية

شكل السابع من أكتوبر 2023 وما أعقبه من حرب إسرائيلية مدمرة على قطاع غزة منعطفاً مهماً في مسار الصراع، ليس فقط بسبب حجم الخسائر البشرية والدمار، وإنما بسبب ما كشفه من تناقضات في السياسة الإسرائيلية وعلاقتها بالعالم.

لقد أدت هجمات حماس إلى مقتل مدنيين إسرائيليين وأسر آخرين، ولا يمكن تبرير استهداف المدنيين أو احتجازهم رهائن. لكن ذلك لا يمنح إسرائيل حق العقاب الجماعي أو تدمير المجتمع الفلسطيني أو استخدام التجويع والحصار والتهجير أدوات للحرب.

لقد كشفت الحرب عن حدود القوة العسكرية الإسرائيلية، وعن عجزها عن تحويل التفوق العسكري إلى حل سياسي أو أمن مستدام. كما وضعت إسرائيل أمام مساءلة دولية وأخلاقية وقانونية واسعة، وأعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي.

وفي هذا السياق، تكتسب الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 يوليو 2024 أهمية خاصة، إذ خلصت المحكمة إلى عدم قانونية استمرار وجود إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأكدت ضرورة إنهاء هذا الوجود، ووقف الأنشطة الاستيطانية الجديدة وإخلاء المستوطنين، كما تناولت التزامات الدول الأخرى تجاه الوضع غير القانوني الناشئ عن الاحتلال.

وهكذا لم تعد القضية الفلسطينية مجرد خلاف سياسي أو نزاع على الحدود، بل أصبحت قضية تتصل بحق تقرير المصير واحترام القانون الدولي ومسؤولية المجتمع الدولي عن إنهاء الاحتلال.

والأهم أن الحرب، على الرغم من حجم الدمار الذي أحدثته، لم تنتج حلاً سياسياً، ولم تنه الوجود الوطني الفلسطيني، ولم تحقق لإسرائيل أمناً مستداماً. فالقوة تستطيع تدمير المدن والبنى التحتية، لكنها لا تستطيع إلغاء هوية شعب أو انتزاع حقه في الحرية والاستقلال.

الانتخابات الإسرائيلية: مأزق التمثيل والهوية ومعادلة السلطة

جاءت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة لتضيف بعداً داخلياً مهماً إلى صورة المأزق التاريخي الذي تواجهه إسرائيل. فالنتائج التي أعلنت بعد استكمال فرز الأصوات أظهرت حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعداً، مقابل 48 مقعداً لمعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، فيما حصلت القوائم العربية على 19 مقعداً من أصل 120 مقعداً في الكنيست، موزعة بين القائمة المشتركة التي حصلت على 11 مقعداً والقائمة العربية الموحدة «رعام» التي حصلت على ثمانية مقاعد.

وهذه النتائج تعني أن أياً من المعسكرين لم يحقق الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، وهي 61 مقعداً، وأن التمثيل العربي بلغ مستوى غير مسبوق في تاريخ الكنيست، بما يقارب 16% من مقاعده. وقد جعل ذلك الممثلين السياسيين للمواطنين العرب طرفاً مؤثراً في معادلة تشكيل السلطة، بصرف النظر عن موقف الأحزاب الإسرائيلية من إشراكهم في الحكومة.

لكن الأهمية السياسية لهذه النتائج لا ينبغي اختزالها في الحسابات العددية أو اعتبارها إعلاناً عن انتهاء الدولة اليهودية، كما ذهب بعض المعلقين. فالقوائم العربية ليست حزباً واحداً، ولا تمثل بالضرورة موقفاً سياسياً موحداً من جميع قضايا تشكيل الحكومة، كما أن قيادات المعسكرين الإسرائيليين أبدت تحفظات على إشراكها في الائتلاف الحكومي.

غير أن الدلالة الأعمق تكمن في التناقض الذي كشفته الانتخابات: فالمواطنون العرب الفلسطينيون يشكلون نحو خمس سكان إسرائيل، ويشاركون في انتخاب مؤسساتها التشريعية، ويملكون حق التمثيل السياسي، لكن قطاعات واسعة من المؤسسة السياسية الإسرائيلية ما زالت تتعامل مع مشاركتهم في الحكم باعتبارها أمراً غير مقبول أو تهديداً لطبيعة الدولة.

وهنا تبرز مفارقة سياسية وتاريخية: كيف يمكن لدولة أن تدعي الديمقراطية والمواطنة المتساوية، بينما تتعامل مع مواطنيها العرب باعتبارهم خارج دائرة الشراكة السياسية الكاملة؟

لقد أظهرت المقاعد التسعة عشر أن المواطنين العرب ليسوا مجرد رقم هامشي في الحياة السياسية الإسرائيلية، بل أصبحوا قوة انتخابية وبرلمانية لا يمكن تجاهلها في حسابات تشكيل الحكومات. كما كشفت النتائج عن صعوبة تحقيق الاستقرار السياسي في ظل الإصرار على إقصائهم، رغم أنهم جزء من المجتمع الذي تدعي الدولة تمثيله.

إن المسألة هنا تتجاوز الأشخاص والأحزاب؛ فهي تمس تعريف الدولة لنفسها، والتناقض بين مفهوم المواطنة الديمقراطية وبين مفهوم الدولة القومية الحصرية التي تجعل الانتماء اليهودي أساساً مميزاً للحقوق والامتيازات.

ولذلك فإن الانتخابات لم تنه المشروع الصهيوني، ولم تلغِ تعريف الدولة القائم على هويتها اليهودية، لكنها كشفت تناقضاً متزايداً بين هذا التعريف وبين واقع المجتمع المتعدد الذي تعيش فيه، وأظهرت أن أزمة إسرائيل الداخلية تتصل أيضاً بموقع الفلسطينيين المواطنين فيها وبحقهم في المساواة والشراكة السياسية.

أما الدور الأمريكي، فقد ظهر مجدداً بوصفه عاملاً مؤثراً في حسابات تشكيل الحكومة الإسرائيلية. فقد تناولت تقارير صحفية رغبة إدارة ترامب في استبعاد شخصيات من اليمين المتطرف، مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، من أي ائتلاف حكومي مقبل، في سياق مساعيها لتوسيع اتفاقيات أبراهام وتهيئة الظروف للتفاهم مع المملكة العربية السعودية.

لكن ينبغي التمييز بين التأثير الأمريكي في السياسة الإسرائيلية وبين الادعاء بأن واشنطن تستطيع تعيين رئيس الوزراء أو فرض حكومة بعينها؛ فاختيار الحكومة يتم وفق الآليات الدستورية والبرلمانية الإسرائيلية، وإن كانت العلاقات الاستراتيجية والضغوط الأمريكية تؤثر في حسابات الأطراف المختلفة.

وهكذا أضافت الانتخابات دليلاً جديداً على مأزق النظام السياسي الإسرائيلي: انقسام داخلي، وصعوبة في تشكيل حكومات مستقرة، وتناقض بين مقتضيات الديمقراطية ومحددات الهوية القومية الحصرية، فضلاً عن اعتماد متزايد على التفاهمات والضغوط الخارجية.

تآكل القبول الغربي وتراجع الإجماع التقليدي

ظل الدعم الأمريكي والغربي أحد أهم مرتكزات قوة إسرائيل منذ قيامها، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً ودبلوماسياً. غير أن هذا الدعم لم يعد بمنأى عن النقاش والمراجعة، وبدأت تظهر تحولات ملموسة في اتجاهات الرأي العام، خصوصاً بين الأجيال الشابة.

كما أن اتساع الانتقادات داخل الجامعات والإعلام والمؤسسات المدنية الغربية، وظهور مواقف يهودية أمريكية وأوروبية تنتقد الحرب والاحتلال، يضعان العلاقة بين إسرائيل والبيئات اليهودية في الخارج أمام أسئلة جديدة.

إن المسألة لم تعد مقتصرة على خلافات مع حكومات أوروبية أو تصريحات سياسية عابرة، بل أصبحت تتصل بمدى استعداد المجتمعات الغربية لمواصلة تقديم دعم غير مشروط لسياسات لا تنسجم مع مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان.

ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة تخلت عن تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل، أو أن الدعم الغربي قد انتهى، لكنه يعني أن الصورة التقليدية لإسرائيل لم تعد تحظى بالإجماع نفسه، وأن استمرار الاحتلال والحروب وسياسات التمييز أصبح يفرض كلفة سياسية وأخلاقية متزايدة على علاقاتها الدولية.

اتفاقيات أبراهام والمأزق العربي: لا تطبيع بديلاً عن السلام

على المستوى الإقليمي، حاولت إسرائيل من خلال اتفاقيات أبراهام أن تفتح مرحلة جديدة من العلاقات مع عدد من الدول العربية، تقوم على المصالح الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية، مع تأجيل القضية الفلسطينية أو التعامل معها باعتبارها ملفاً يمكن فصله عن العلاقات الإقليمية.

وقد راهنت حكومة نتنياهو على أن إقامة علاقات مع الدول العربية يمكن أن تحقق لإسرائيل اعترافاً إقليمياً واسعاً، وتفتح أمامها أبواب الاندماج الاقتصادي والأمني والسياسي، دون أن تضطر إلى تقديم استحقاقات حقيقية على صعيد الحقوق الوطنية الفلسطينية.

لكن حرب غزة أعادت التأكيد على أن القضية الفلسطينية لا يمكن تجاوزها، وأن التطبيع الرسمي لا يعني بالضرورة قبولاً شعبياً أو تحقيقاً للسلام، وأن إقامة العلاقات الدبلوماسية لا تنهي الصراع ما دامت أسبابه الجوهرية قائمة.

وفي هذا الإطار، تكتسب مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت عام 2002 أهميتها التاريخية، لأنها قدمت معادلة عربية واضحة تقوم على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، والتوصل إلى حل عادل لقضية اللاجئين، مقابل إقامة علاقات طبيعية وسلام شامل في المنطقة.

كما أن الموقف السعودي يمثل تعبيراً واضحاً عن هذه المعادلة. فقد أكدت المملكة العربية السعودية ثبات موقفها من القضية الفلسطينية، وأن إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل مشروطة بقيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وإنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.

وهذا الموقف يعكس إدراكاً استراتيجياً بأن استقرار الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق من خلال تجاوز القضية الفلسطينية أو تأجيلها إلى أجل غير معلوم، وأن السلام الحقيقي ينبغي أن يقوم على الحقوق والسيادة والاعتراف المتبادل.

إن الدول العربية ليست مطالبة بالاختيار بين التنمية والاستقرار من جهة، والدفاع عن الحقوق الفلسطينية من جهة أخرى؛ بل إن الحل العادل للقضية الفلسطينية يشكل أحد الشروط الأساسية لتحقيق الاستقرار الإقليمي والتنمية المستدامة.

ومن هنا فإن اتفاقيات أبراهام، مهما حققته من مصالح اقتصادية أو أمنية للدول الأطراف، لا تستطيع وحدها أن تؤسس لسلام إقليمي شامل، ولا أن توفر لإسرائيل الاندماج الطبيعي الذي تسعى إليه، ما دامت تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها عبئاً يمكن تجاوزه، لا باعتبارها قضية شعب له حقوق وطنية وتاريخية وقانونية ثابتة.

الفلسطيني الذي لم يختفِ: جوهر المأزق التاريخي

منذ النكبة عام 1948، راهنت السياسات الإسرائيلية المتعاقبة على أن التهجير والحروب والاستيطان وتغيير الوقائع على الأرض يمكن أن تنهي القضية الفلسطينية.

لكن هذه الرهانات اصطدمت بحقيقة أن الفلسطينيين لم يغادروا ذاكرتهم الوطنية، ولم يتخلوا عن هويتهم أو حقهم في وطنهم، ولم تنجح محاولات الاقتلاع في إلغاء وجودهم السياسي والاجتماعي والثقافي.

إن الفلسطينيين ليسوا مجرد سكان يمكن نقلهم أو إعادة توزيعهم وفق حسابات سياسية وأمنية، بل هم شعب له حق أصيل في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.

وهنا يواجه المشروع الصهيوني تناقضاً بنيوياً: فهو يريد الاحتفاظ بالأرض والسيطرة عليها، مع تجنب الاعتراف الكامل بحقوق أصحابها؛ ويريد أن يقدم نفسه باعتباره دولة ديمقراطية، بينما تستمر السيطرة على ملايين الفلسطينيين المحرومين من السيادة والاستقلال؛ ويريد الاندماج في المنطقة، بينما يواصل إنتاج أسباب الصراع معها.

وهذه التناقضات لا يمكن حلها بمزيد من المستعمرات أو الحروب أو التهجير، ولا يمكن أن تكون التسويات المؤقتة بديلاً عن معالجة أصل المشكلة.

لقد أثبت التاريخ أن الشعوب لا تفقد حقوقها لمجرد تعرضها للهزائم أو التهجير، وأن الهوية الوطنية لا يمكن محوها بالقوة. والفلسطيني، رغم كل ما تعرض له من نكبات وحروب وحصار، ما زال متمسكاً بأرضه وحقه في الحرية والاستقلال، وما زالت قضيته حاضرة في الوعي العربي والدولي.

من أزمة الشرعية إلى سؤال المستقبل

إن الحديث عن مأزق إسرائيل التاريخي لا يعني التنبؤ بانهيارها الوشيك، أو اعتبار زوالها أمراً حتمياً. فالدول لا تختفي لمجرد تعرضها لانتقادات دولية أو تغير في اتجاهات الرأي العام، وإسرائيل ما زالت تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية ومؤسساتية وتحالفات دولية مهمة.

لكن استمرار هذه القدرات لا يعالج التناقضات السياسية والقانونية والأخلاقية التي تواجهها.

فالمسألة ليست مسألة بقاء مادي فقط، وإنما طبيعة هذا البقاء وشروطه ومكانته في المنطقة والعالم.

هل يمكن لإسرائيل أن تستمر في السيطرة على شعب آخر، وأن تطلب في الوقت نفسه اعترافاً إقليمياً طبيعياً بها؟ وهل يمكنها ضمان أمنها من خلال إدامة الصراع مع الفلسطينيين وتوسيع دائرة التوتر مع محيطها العربي؟ وهل تستطيع الحفاظ على علاقاتها مع حلفائها الغربيين والجاليات اليهودية في الخارج إذا استمرت في تجاهل التحولات الجارية في مواقفهم؟

إن هذه الأسئلة أصبحت مطروحة داخل إسرائيل نفسها، وبين بعض أبرز داعميها ومفكريها، كما أصبحت موضع نقاش متزايد في المؤسسات الدولية والمجتمعات الغربية.

ومن هنا فإن مأزق إسرائيل ليس مجرد مأزق حكومة نتنياهو، بل هو مأزق نموذج سياسي يراهن على القوة والهيمنة وإنكار حقوق الآخرين، بدلاً من بناء علاقة تاريخية جديدة مع الفلسطينيين تقوم على الاعتراف والمساواة والحقوق.

إن استمرار هذا النموذج يعني استمرار الصراع، وتآكل فرص السلام، وتزايد عزلة إسرائيل، مهما امتلكت من قوة عسكرية أو تحالفات دولية. أما الانتقال إلى مرحلة جديدة فيتطلب مراجعة جذرية للسياسات التي قامت على الاحتلال والاستيطان والتمييز، والاعتراف بأن الأمن لا يمكن أن يكون امتيازاً لطرف على حساب أمن الطرف الآخر وحقوقه.

الخلاصة: الصلح مع الفلسطينيين هو المدخل إلى الصلح مع الشرق الأوسط

إن المعضلة الأساسية التي تواجه إسرائيل ليست في وجود الشعب الفلسطيني أو تمسكه بهويته الوطنية وحقوقه التاريخية، وإنما في عجز المشروع السياسي الصهيوني عن التكيف مع هذه الحقيقة والاعتراف بنتائجها السياسية والقانونية والإنسانية.

لقد جُرّبت الحروب والاحتلال والحصار والاستيطان والتهجير والتفوق العسكري والتحالفات الدولية، لكنها لم تنجح في إنهاء القضية الفلسطينية أو إلغاء الشعب الفلسطيني أو انتزاع قبوله بالتنازل عن حقوقه.

كما أن اتفاقيات التطبيع لم تنتج سلاماً شاملاً، والدعم الدولي لم يوفر حلاً سياسياً، والقوة العسكرية لم تحقق اندماجاً إقليمياً مستداماً.

إن المخرج من هذا المأزق يمر عبر استحقاق تاريخي واضح: الاعتراف بالشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية، وإنهاء الاحتلال والاستيطان، والقبول بقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والتوصل إلى حل عادل لقضية اللاجئين وفق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار 194.

كما يتطلب ذلك إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتمكين المؤسسات الوطنية الفلسطينية من ممارسة مسؤولياتها السياسية والوطنية، وإنهاء الانقسام، وصون وحدة الأرض والشعب والقرار الوطني المستقل.

فلا يجوز أن يكون التطبيع بديلاً عن السلام، ولا أن تكون إعادة ترتيب المصالح الإقليمية مدخلاً لتصفية القضية الفلسطينية أو تجاوز حقوق شعبها.

إن الصلح التاريخي مع الفلسطينيين هو المدخل الطبيعي للصلح مع الشرق الأوسط، وليس العكس. ولا يمكن لإسرائيل أن تطلب من المنطقة أن تقبل بها وتتجاوز ماضي الصراع وحاضره، بينما ترفض هي الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

إن الطريق إلى سلام حقيقي واندماج إقليمي مستدام لا يمر عبر تجاوز فلسطين، ولا عبر اختزالها في ترتيبات أمنية أو اقتصادية، بل عبر الاعتراف بها وبحقوق شعبها الكاملة، واحترام إرادته الوطنية، وإنهاء الاحتلال الذي يشكل أصل الصراع ومصدر استمرار عدم الاستقرار.

ففلسطين ليست المشكلة التي تمنع إسرائيل من الاندماج في الشرق الأوسط؛ إنما إنكار فلسطين وحقوق شعبها هو جوهر المشكلة. والفلسطينيون ليسوا عقبة أمام مستقبل المنطقة، بل إن الاعتراف بحقوقهم هو أحد الشروط الأساسية لبناء مستقبل يسوده الأمن والاستقرار والعدالة.

إنها لحظة مراجعة تاريخية لا تخص الفلسطينيين وحدهم، بل تخص إسرائيل ومحيطها العربي والمجتمع الدولي بأسره؛ فإما أن تنتصر إرادة الاعتراف والحقوق والعدالة، وإما أن يبقى الشرق الأوسط أسير صراعات متجددة، تدفع شعوبه أثمانها من أمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها.

والتاريخ لا يمنح أحداً حقاً أبدياً في السيطرة على الآخرين، ولا تستطيع أي قوة، مهما بلغت، أن تلغي حقوق شعب يصر على الحياة والحرية والاستقلال.

فلسطين ليست المشكلة، إنما إنكارها هو المشكلة. والاعتراف بحقوق شعبها هو المدخل الحقيقي إلى السلام، والصلح معها هو الطريق الطبيعي إلى الصلح مع الشرق الأوسط.

أخبار مماثلة