هناك مواقف عابرة تمر أمامنا كل يوم، لكنها تترك في الذهن أسئلة أكبر بكثير من حجمها.
قبل أيام، كنت مدعوًا إلى حفل استقبال، واجتمع على المائدة أناس من مختلف المهن والمستويات العلمية؛ أطباء، ومهندسون، وأكاديميون، ورجال أعمال.
وبينما كان الجميع يتناولون المنسف، وجدت نفسي أفكر في أمر لا علاقة له بالطعام نفسه.
لم يكن استغرابي لأنهم يأكلون بأيديهم، فهذه عادة متجذرة في ثقافتنا، ولا أرى فيها ما ينتقص من أحد. لكنني تساءلت: لماذا نصر على أن يأكل الجميع من السدر نفسه، بينما يستطيع كل شخص أن يضع حصته في طبقه ثم يأكل بيده كما يشاء؟ أليس في ذلك حفاظ على التراث، مع مراعاة للنظافة، واحترام لراحة الآخرين؟
ولم ينتهِ المشهد عند هذا الحد.
بعد الغداء، أشعل أحد الحضور سيجارته، وأخذ ينفض رمادها في صحن الطعام الفارغ، ثم على الطاولة. لم يكن يدرك، وربما لم يفكر، أن هذا التصرف الصغير يقول عن ثقافتنا أكثر مما تقوله آلاف الكلمات.
عندها أدركت أن القضية ليست في المنسف، ولا في اليد، ولا في الشوكة والسكين.
القضية في فهمنا لمعنى المشاركة.
حين يكون المكان مشتركًا، تصبح المسؤولية مشتركة أيضًا. والمائدة ليست مجرد طعام، بل مساحة نتقاسم فيها الاحترام قبل أن نتقاسم اللقمة. والطاولة ليست ملكًا لمن يجلس إليها أولًا، بل حق لكل من سيجلس بعدها.
المؤسف أننا كثيرًا ما نربط التحضر بالمظاهر؛ بالشهادة الجامعية، أو المنصب، أو نوع السيارة، أو أناقة اللباس. بينما الحقيقة أن التحضر يظهر في تفاصيل صغيرة لا ينتبه إليها كثيرون: كيف تترك المكان بعد أن تغادره؟ وهل راعيت حق من سيأتي بعدك؟
في مجتمعاتنا، نحتاج إلى أن نعيد تعريف الذوق العام. فهو لا يبدأ من صالات المؤتمرات، ولا من البروتوكولات الرسمية، بل يبدأ من احترام المرافق العامة، ومن المحافظة على نظافة المكان، ومن إدراك أن ما هو مشترك بين الناس يستحق عناية أكبر، لا أقل.
إن الأمم لا تُقاس فقط بما تبنيه من طرق وجسور ومبانٍ، بل بما تبنيه في نفوس أبنائها من احترام للمكان، وللنظام، ولحقوق الآخرين.
فالمائدة التي تجمعنا قادرة على أن تكشف أخلاقنا أكثر مما تكشف أذواقنا.
وربما لهذا السبب، فإن الإنسان لا يُعرف بما يأكل، ولا بالطريقة التي يأكل بها… بل بالطريقة التي يغادر بها المكان بعد أن ينتهي.