5 صفر 1448

الموافق

الأربعاء 22-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

معركة عقل وإرادة
غازي العريضي
2026-07-21
معركة عقل وإرادة

 

ثمّة مواضيع وقضايا وعناوين كثيرة شغلت الجميع في المنطقة، دوَّنْتُها مع ملاحظات وآراء حولها، من قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة وما جرى في كواليسها، والانزعاج الإسرائيلي من مواقف الرئيس الأميركي ترامب الإيجابية تجاه الرئيس التركي أردوغان، إلى تجدّد العمليات العسكرية بين أميركا وإيران على أرضها وفي مياه الخليج، واستهداف مطار صنعاء والردّ الحوثي باستهداف مطار أبها في السعودية، وزيارة رئيس حكومة العراق إلى واشنطن ولقائه الرئيس ترامب وما ترتّب عنها، والتطوّرات في الساحة اللبنانية وزيارة الرئيس جوزاف عون واشنطن أيضاً، واستمرار العدوان الإسرائيلي المفتوح في الجنوب، واستباحة جيش الاحتلال الكاملة لغزّة وتهديده الضفّة الغربية... وغيرها من مستجدّات، وهي عادةً موضع اهتمامي اليومي ومضمون مقالاتي في هذه الصفحة. لكنّ مقالة الأسبوع الماضي عن "إسرائيل وإمبراطورية عزمي بشارة"، وما وصل إليّ من تعليقات واتصالات مباشرة، وما كُتب عنها، جعلني أعود إلى الموضوع نفسه، محاولاً إكمال النقاش بشأنه. وهذا أمر، كما ذكرت سابقاً، أتابعه منذ سنوات طويلة، وكتبت عنه خلال حرب الإبادة ضدّ الفلسطينيين، والتحوّلات في الرأي العام العالمي، خصوصاً داخل أميركا، حيث تبدو إسرائيل "دولةً منبوذةً"، و"معزولةً"، و"سيئة السمعة"، ومسؤولوها مطاردون أمام المحاكم الدولية.

المعركة في وجه إسرائيل شرعية أخلاقية إنسانية، لكنّ أساليبها يجب أن تتلاءم مع موازين القوة والتطوّرات التقنية

أودّ الإشارة إلى أنّ عدداً من المتصلين والمعلّقين هم ضدّ حركة حماس وحزب الله، ولكنّهم ضدّ إسرائيل بالكامل، ولا يؤيّدون عزمي بشارة. وعدد آخر يؤيّد المقاومة ولا يحبّ بشارة. وثمّة من توقّف عند جهده ودوره مؤيّداً، انطلاقاً من أنّ المقاومة ليست عسكرية فقط، وقد لا تكون بعد اليوم كذلك فترة طويلة، لكنّها معركة ثقافية إعلامية دبلوماسية سياسية قانونية أخلاقية فنّية تاريخية علمية. معركة ذاكرة ووعي في الساحات والمنتديات والمؤسّسات الدولية، رسمية كانت أم غير رسمية، وهذا ما كنت أركّز عليه منذ عقود في متابعتي الصراع العربي – الإسرائيلي.
قد يكون أيّ واحد منّا ضدّ الطائفية والعنصرية والتطرّف والحقد والكراهية على أسس مذهبية أو دينية تخدم إسرائيل، وقد تكون لبعضنا الآخر قناعات مختلفة، قناعات دينية تميل نحو التطرّف بسبب صراعات مذهبية داخل بيئاتنا المستهدَفة من إسرائيل، وقد تكون لآخرين قناعات علمانية ضدّ النزعات الدينية، وما يسمّونه اليوم "الإسلام السياسي السُنّي"، و"الإسلام السياسي الشيعي"، و"الإرهاب المسيحي"، و"الإرهاب اليهودي". هذا كلّه موجود، لكن لا شيء يُسقط عن إسرائيل صفة "الاحتلال"، و"الاغتصاب"، و"الإرهاب"، منذ نشوء "الكيان" حتّى الآن. فكيف إذا كنا أمام هذه الموجة العالمية المتنامية ضدّها في كلّ دول العالم تقريباً؟ وبالتالي، إذا اختلفنا عقائدياً، فلا يجوز أن نختلف على ضرورة مواجهة هذه الحالة الاستثنائية في هذه المرحلة من التاريخ.
حالة الاحتلال الوحيدة هي الدولة المارقة الفالتة التي تفعل ما تشاء بحقّ الشعب الفلسطيني، وتهدّد الأمن والاستقرار في كلّ المنطقة، وتعلن بوضوح أن حدودها مفتوحةٌ استناداً إلى نصوص "إلهية". النقاش يدور حول كيفية خوض هذه المواجهة التي تبدأ بتجنّب الوقوع في فخّ إسرائيل والذهاب نحو حرب دينية، أو الاستمرار في ارتكاب أخطاء سوء التقدير وسوء التدبير. المعركة في وجه إسرائيل شرعية أخلاقية إنسانية، لكنّ أساليبها ووسائلها يجب أن تتلاءم مع الوقائع وموازين القوة الموجودة والتطوّرات التقنية التي شهدها العالم، والاستفادة من بعض وسائلها. وهذا ما أثبتته (وتثبته) التجربة التي ظهرت في طليعتها "إمبراطورية عزمي بشارة"، على حد تعبير إسرائيل، وصولاً إلى اعتبارها أخطر من إيران وتركيا معاً.
لا أسوّق هذا الكلام اليوم. هذه قناعتي منذ عقود، وعندما كنت وزيراً للإعلام في لبنان، ورئيساً لمجلس وزراء الإعلام العرب، تقدّمت، مع زملاء وزراء أعضاء اللجنة الخاصّة التي شُكّلت آنذاك، بمشروع القيام بحملة إعلامية دولية داخل أميركا وخارجها، مدروسة ودقيقة، وتحديداً بعد أحداث 11 سبتمبر (2001)، والقيود التي فُرضت على العرب والمسلمين، والقرار الذي اتُخذ بغزو العراق واستباحة المنطقة كلّها.
أنجزنا أفلاماً قصيرةً معبّرةً عن جرائم إسرائيل ضدّ الأطفال والنساء، وحرمان التلاميذ من الوصول إلى مدارسهم في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، وناقشناها في جلسة خاصّة في جامعة الدول العربية، بحضور أمينها العام آنذاك عمرو موسى، والرمز الفلسطيني ياسر عرفات، لتجنّب أيّ كلمة أو إشارة يمكن أن تُستغلّ ضدّنا. جهّزنا كلّ شيء، لكنّنا لم نحصل على التمويل المطلوب، وهو أقلّ من عادي، على الرغم من وعود تلقيناها من رؤساء وملوك وأمراء عرب التقيناهم، بوصفنا لجنةً، وناقشنا معهم الهدف المنشود.
في لبنان، استفدنا ممّا قمنا به عندما أرادت أميركا أن تبث، عبر وسائل الإعلام اللبنانية، أشرطة دعائية ردّاً على الحملة التي شنّت ضدّها بعد التضييق على العرب والمسلمين وفرض قيود ومراقبة عليهم. رفضنا ذلك، واشترطنا بثّ أفلامنا في أميركا في إطار حملة إعلامية، مقابل السماح ببثّ أفلامهم في بيروت. توقّف كلّ شيء، وشنّت حملة ضدّنا. اليوم، هناك حملة عالمية ضدّ إسرائيل وممارساتها. وهي تشكو مؤسّسات بحثية وإعلامية أثبتت مكانتها وتأثيرها، واعتبرت أنّها تشكّل خطراً عليها.
في خلاصة النقاشات مع المعلّقين والمتصلين والمتابعين، كان ثمّة اتفاق على نقطة مركزية أساسية: المقاومة شاملة. ليست عسكرية فقط. وإسرائيل منذ نشوئها كانت تدرك ذلك. وهي، إلى جانب حرب الأسلحة العسكرية، استندت إلى الدعاية والإعلام وبثّ السموم والأفكار، واستهداف المفكّرين والشعراء والأدباء والكتّاب الفلسطينيين، وامتداداً العرب لاحقاً، والعلماء في العراق وغيره، لأنّها تدرك أنّ المعركة الأهم هي معركة العقل. ولذلك، نسمع سفراء في إسرائيل ومؤيّدين لها في أميركا يشنّون حملات تهين العرب والمسلمين وتستخفّ بهم، في سياق القول: "لولا إسرائيل لما كان لديكم كذا وكذا..."، و"الصحن الفلاني أصله إسرائيلي". وتدور معركة حول الملكية الفكرية بشأن صحن "الحمّص" أو غيره، فكيف الأمر مع التطوّرات التكنولوجية التي ميّزت إسرائيل وجعلتها في موقع متقدّم عالمياً، ودفعت أميركا إلى خوض معارك للحصول على الرقائق الإلكترونية الضرورية للتطوّرات التقنية من هنا وهناك، حتى لو اضطر الأمر إلى "الاستيلاء الودّي" على هذه الجزيرة أو تلك، أو هذه الدولة أو تلك؟

ما يفعله عزمي بشارة يصبّ في خانة معركة العقل مع الاحتلال

هذا نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يقول: "إسرائيل تخسر معركة الرأي العام في أميركا". وهذه إسرائيل تدفع أموالاً لمؤثّرين ونوّاب في الحزبَين الجمهوري والديمقراطي ليقفوا معها، وتحرم آخرين من مساعدات "أيباك" لأنّهم وقفوا ضدّها. الواقع الدولي مؤاتٍ اليوم لتفعيل العمل الفردي والجماعي والمؤسّساتي في مجالات الفكر والإعلام والثقافة والسياسة والترجمة والتواصل مع كلّ الذين وقفوا إلى جانب الشعب الفلسطيني وقضيته، وانتقدوا إسرائيل وحرب الإبادة التي تخوضها ضدّه، وممارساتها وغطرستها وتعنّتها. الإمكانات المادّية متاحة. وسائل التواصل والإعلام لا تُحصى ولا تُعدّ. السفارات موجودة في كلّ أنحاء العالم، والمؤسّسات موجودة.
خرجت من صفوف مؤيّدي ترامب مجموعة لا بأس بها، من دون تكليف من أحد، تنتقد سياسات إدارته وخوض حروب الآخرين (حروب إسرائيل) على حساب أميركا، والأمن والاستقرار في العالم، وسمعة أميركا، وتاكر كارلسون أبرزهم. وثمّة نوّاب وإعلاميون وكتّاب وفنّانون ومنتجون ومخرجون ومسرحيون وموسيقيون عبّروا بأشكال مختلفة عن مواقفهم وغضبهم من الممارسات والسياسات الإسرائيلية. وداخل إسرائيل نفسها، ارتفعت أصوات في الاتجاه نفسه. وكثيرون يريدون فعل أيّ شيء ممكن لمنع نتنياهو من العودة إلى رئاسة الحكومة، وهو بالتأكيد سيفعل أيّ شيء لضمان الاستمرار. فهل يمكن أن يستمرّ الانكفاء العربي الرسمي وغير الرسمي، وأن يتكرّس قرار الاستقالة الطوعي من التفكير والإقدام والمبادرة لملاقاة الحالة الدولية، من الداخل الأميركي إلى آخر المواقع في العالم، حيث تشهد تحولاً ضدّ إسرائيل، وإدانة لسياساتها، وتحذيراً من مخاطرها، وتضامناً مع قضايانا، ونحن لا نتضامن مع أنفسنا؟
المعركة هي معركة العقل. ونجحت إسرائيل كثيراً فيها، لكنّها انحرفت إلى حدود بعيدة مع قيادتها الحالية. هل تستمر حالة تعطيل العقل العربي، والفعل العربي، وحالة تلقّي كلّ السموم الإسرائيلية، والتسليم بالقَدر الإسرائيلي وبالتطوّر والتقدّم الإسرائيليَين بسبب انكفائنا، أو تمويلنا بطرق مختلفة هذا الجنوح والجموح الإسرائيلي نحو مزيد من الاحتلال والاستقواء والتحكّم بمستقبلنا ومصائرنا؟
ما يفعله عزمي بشارة يصبّ في خانة هذه المعركة. جهد استثنائي؟ ربّما، لكنّه يجب أن يكون، في الأساس، بديهياً وطبيعياً. وليسهم كلّ واحد منا على طريقته، وبحسب ظروفه وإمكاناته، في هذه المعركة، بالفكرة والحجّة والمنطق والإبداع والخلق، في مجالات حياتنا وعملنا أينما وُجدنا. هذا واجب إنساني وأخلاقي، دفاعاً عن تاريخنا وثقافتنا ولغتنا وحضارتنا وسيادتنا الحقيقية، وحاضرنا ومستقبلنا ودورنا بين الأمم والدول والشعوب.

االعربي الجديد
أخبار مماثلة