ما يجري في الشرق الأوسط ليس صراعًا وجوديًا بين قوى تسعى إلى القضاء على بعضها، بقدر ما هو صراعٌ على إدارة موازين القوة، تحكمه قواعد اشتباك غير معلنة، تُراجع وتُعدَّل كلما اقتضت المصالح الاستراتيجية ذلك.
فالتصعيد والتهدئة، والحرب والهدنة، ليست غايات في ذاتها، وإنما أدوات لإعادة رسم حدود النفوذ ومنع أي اختلال في ميزان القوى يفضي إلى هيمنة طرف واحد.
لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن القوى الكبرى والإقليمية، مهما بلغت حدة المواجهة بينها، تدرك الخطوط الحمراء التي لا ينبغي تجاوزها. فالصدام يُدار أكثر مما يُحسم، وتُضبط إيقاعاته بما يحول دون انفجار شامل قد يخرج عن السيطرة ويهدد مصالح الجميع.
لذلك، تتغير قواعد الاشتباك كلما تغيرت الوقائع الميدانية أو تبدلت الأولويات السياسية، ويبقى الهدف هو المحافظة على توازن يسمح باستمرار النفوذ، لا إنهائه.
وفي خضم هذه المعادلة، تتحول المنطقة العربية إلى المسرح الرئيسي لهذا الصراع. فهي ليست صانعةً لقواعد اللعبة، بل غالبًا ما تكون ساحتها الأكثر تأثرًا بنتائجها.
فالأزمات الممتدة، والحروب المتكررة، والاستقطابات الحادة، تُبقي العالم العربي منشغلًا بإدارة أزماته الداخلية، وتحدّ من قدرته على بناء مشروع سياسي أو اقتصادي أو أمني مستقل.
ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في انتصار هذا المحور أو ذاك، بل في استمرار غياب الفاعل العربي القادر على إنتاج رؤية استراتيجية مشتركة.
فحين يغيب المشروع العربي، يصبح الخيار المطروح هو الارتهان لهذا الطرف أو ذاك، بدل أن يكون العرب طرفًا مستقلًا في معادلة التوازن الإقليمي والدولي.
إن المنطقة لا تحتاج إلى الانحياز في صراع النفوذ، بقدر ما تحتاج إلى إعادة تعريف مصالحها وصياغة مشروعها الخاص.
فالدول التي لا تصنع قواعد اللعبة، ستظل محكومة بقواعد يضعها الآخرون، وتدفع ثمنها من أمنها واستقرارها وتنميتها.
ولعل الحقيقة الأكثر مرارة هي أن الصراع الدائر لا يدور من أجل المنطقة، بل يدور عليها. وما لم يمتلك العرب إرادة سياسية ورؤية استراتيجية موحدة، فسيبقون ساحةً لتقاسم النفوذ، لا شركاء في صناعته، وأحد طرفي الرحى لن يكون يومًا بديلًا عن مشروع عربي مستقل يصنع التوازن، ويحمي المصالح، ويعيد للعرب مكانتهم كفاعلٍ لا كمفعولٍ به.